أندلسيو المغرب.. اسبان اصليون رفضوا التنصير
|
400 عام علي حياة المخيمات ربيع الحافظ
13/12/2007
|
|
الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة حديثاً الأشرعة السوداء عن هجرة آخر دفعة من مسلمي الأندلس الذين قذفت بهم محاكم التفتيش في
إسبانيا إلي يابسة شمال إفريقيا سلط الأضواء علي مساحة معتمة من العلاقات الدولية.
القضية ـ رغم طول الأمد ـ لا تقع خارج سياقات العلاقات الدولية المعاصرة والقانون الدولي، فكل يهودي أياً كان لونه أو لسانه أو عرقه يتمتع في هذا العالم بحق تلقائي للهجرة إلي فلسطين، القرار عائد إليه يتخذه متي وكيفما شاء، فقط لأن يهوداً عاشوا علي أرض فلسطين قبل ثلاثة آلاف عام، وصار من حق يهود اليوم إقامة حياة سياسية والاستئثار بأرض لم ينفردوا وحدهم يوماً بالعيش فيها، أو كانوا حكامها، ورغم أربعين عاماً من الحفر بالأبرة تحت المسجد الأقصي، فقد عجز علماء الآثار من العثور علي شبه دليل لإثبات حكاية الهيكل المزعوم. قضية أندلسيي المغرب أسهل من ذلك بكثير، فهم لم ينقضِ علي إخراجهم من أرضهم أكثر من أربعة قرون، ثم أنهم ليسوا روساً يؤتي بهم من أقاصي سيبيريا للإقامة في فلسطين، بل هم إسبان من سكان البلد الأصليين، ممن دخل في الإسلام، ويحتفظون حتي هذه الساعة بشجرة النسب التي توصلهم إلي الجد السابع أو الثامن الذي ولد وعاش ومات ودفن في غرناطة ـ أي أنهم ليسوا عرباً ـ وكانوا ممن رفض الارتداد عن الإسلام واستعصوا علي حملات التنصير إبان حملات محاكم التفتيش التي نظمتها الكنيسة بالاشتراك مع القصر الملكي وقضت علي شأفة الإسلام في إسبانيا. ثم إن الأمر لا يحتاج إلي حفريات، فكل شيء ظاهر فوق سطح الأرض. بيوتهم التي سلبت ما زالت موجودة علي الحال التي تركوها، يقطنها إسبان أو مهاجرون، بل هي أحياء سكنية كاملة يقصدها السياح وتملأ صورها الأماكن العامة والمجلات وبطاقات التهنئة، وكذلك مساجدهم التي قلبت إلي كنائس، ومزارعهم وطواحينهم وسواقي المياه التي شقوها لا تزال في حالة جيدة وتوصل المياه إلي بساتين الزيتون وتحمل أسماء عربية مشوهة اللفظ كـ الثاكية أي الساقية. الأندلسيون الذين استوطنوا شمال المغرب وبالتحديد في تطوان وشفشاون وفاس والذين تقدر المصادر التاريخية أعدادهم يومئذ بنصف مليون، جلبوا معهم إلي مخيماتهم التي غدت فيما بعد حواضر، جلبوا لها أنماط حياتهم المعيشية والحرفية وفنون العمارة والفلكلور والحياكة والفن الأندلسي. بيئتهم ومنازلهم وأسواقهم ومنتجاتهم والأسماء التي أطلقوها علي الجبال والأودية من حولهم نسخة عن حياتهم في بلادهم الأندلس، ويحتفظ بعضهم بمفاتيح منازلهم التي توارثوها جيلا إثر جيل أملاً في أن لا تطول الهجرة وفي العودة، مثلما يحتفظ كثير من الفسلطينيين بمفاتيح منازلهم التي أخرجوا منها. ما كان الناس العاديون من نصاري الإسبان يريدون خروج المسلمين؛ لأنهم كانوا رئة المجتمع واقتصاده وعماده المدني، وصمام الأمن والنظافة والصحة فيه، الذي تمزق نسيجه ودبت بين مدنه الكراهية، وحل الكسل محل الإبداع، وتعطلت الحرف وشاع التسول، وانتشرت الأوبئة الجلدية فرجال الدين منعوا الاستحمام لأنه يشبه الوضوء عند المسلمين، وتعذر علي الأطباء أن يصفوا لمرضاهم النظافة والاغتسال مخافة أن يفشو أمرهم ويقعوا تحت طائلة القصاص. اختنق المجتمع بخروج المسلمين ودب فيه التخلف الذي أوصله الاستعمار الإسباني إلي كل بقعة في العالم وصل إليها. مظالم الأندلسيين واضحة ومحددة، والجاني معلوم الهوية وليس شبحاً، فالذي أحرق الرجال أحياءً، وقتل الأطفال، وسبي النساء في أقبية الكنائس، وأحرق مليوناً من دواوين العلوم وسط مدينة غرناطة، وربط الخيول في عجائب العمارة وحولها إلي اصطبلات، وأتلف أعظم تراث عرفته الإنسانية، الذي فعل هذا لم تكن عناصر مليشيات ملثمة انحلت وتبخرت، وإنما فعلته مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية ومؤسسة القصر بوجه سافر مع سبق الإصرار، وكان ملك اسبانيا يدعي في المناسبات الرسمية وإلي وقت قريب صاحب العظمة الكاثوليكي Sa Majesta Cataica، وعليه فإن الدعوة القضائية وفاتورة التعويضات ترسل إلي عنواني هاتين المؤسستين. الملف القضائي لأندلسيي المغرب مبسوط بين أيدي علماء تاريخ وأكاديميين إسبان معاصرين، يوثقون فصوله بتفصيل ممل، حتي إن الباحث ليشعر أنه أمام تقرير طب عدلي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فهو ملف قضائي متكامل. بهذه المعطيات لا تشكل المطالبة بعودة الأندلسيين إلي أرض الأجداد والحصول علي تعويضات صوتاً شاذاً ضمن أنغام القوانين الدولية المعاصرة، وقد اختصرت المؤسسات الصهيونية (لنفسها) مثل هذا الطريق، وطوعت القوانين الدولية ليهاجر شتات من البشر ممن لا تجمع بينهم لغة أو عرق إلي أرض لم يقطنوها أو يحكموها أو يستعمروها (من الإعمار)، فكيف بالعائد إلي أرضه؟ ثم إذا كانت إسرائيل قد أعدت ملفاً عن يهود خيبر الذين أجلاهم المسلمون من جزيرة العرب إثر نقضهم لعهودهم مع الدولة الإسلامية، وقد مضي علي ملفهم 15 قرناً، وتنتظر إسرائيل توقيع السعودية معاهدة سلام معها لتقدم لها فواتير التعويضات عن بساتين بني النضير وغلات الثمار علي مر 15 قرناً مضافاً إليها الفوائد الربوية، نقول إذا وجد الصهاينة هذا ممكناً وأن حقوقهم لا تبطل بالتقادم وأن المجتمع الدولي لا يقول لهم: عُقلاء أنتم أم مجانين، فإن حظوظ أندلسيي المغرب أكبر وقضيتهم أيسر بكثير، فهم لم يطردوا لخيانة اقترفوها، بل كانوا شريان البلاد العلمي والاقتصادي وسبب نهضة أوربا. من غير المتوقع أن يقدم المغرب علي فتح ملف من هذا النوع وبهذا الحجم، وهو الذي يقدم خطوة بشأن ملف سبتة ومليلية ويؤخر اثنتين، لكن لا ينبغي أن ننسي أن مشهد تقاطر اليهود الأرجنتينيين والروس علي فلسطين اليوم لم يبتدئ في أروقة وزارات الخارجية والأمم المتحدة، وإنما ابتدأته المنظمات الصهيونية في الشوارع والميادين العامة والإعلام حتي غدا قضية واقعية عند الرأي العام الغربي. هذا النمط من المشاريع تشرع به عادة المنظمات الأهلية التي يصعب ممارسة الضغوط عليها، قبل أن تنضج المشاريع وتوظفها الحكومات لغايات سياسية، وملف الأرمن الذي يسعّر بين الحين والآخر إنما يقوم عليه اللوبي الأرمني في أمريكا ودعمته مؤخراً منظمة إيباك الصهيونية في أمريكا، وهو رغم تلفيقاته يشكل مصدر إزعاج للحكومة التركية، وأداة في يد خصومها لجرّها إلي مقايضات في شؤون مختلفة هي في غنيً عنها. وفي البلدان التي تنعم بالحرية تذهب المنظمات الحقوقية والإنسانية أشواطاً بعيدة بمثل هذه الملفات التي تشكل مصدر إزعاج حقيقي للحكومات المعنية، وفي الوقت ذاته تضع بين يدي حكوماتها أوراق ضغط وتفاوض تنتقي منها الحكومات ما تشاء ووقتما تشاء، وإن المرء ليصاب بالدهشة عندما يقف علي البدايات المتواضعة للمشاريع العملاقة التي تنتهي في أروقة السياسة العالمية. إسبانيا تمنح اليوم حق الجنسية والاستيطان لمهاجرين فلبينيين تبعد أوطانهم آلاف الأميال ولا يجمعهم مع إسبانيا جامع سوي اللهم الكثلكة ، ويجد هؤلاء من يحتضن قضاياهم من المنظمات الحقوقية، ولو رفع أندلسيو المغرب الصوت علي الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق لارتد إليهم صدي هذه المنظمات التي لا شاغل لها سوي متابعة المخالفات القانونية، والتشبث بكل ما له دلالة قضائية ومستند قانوني، وكل ما هو جديد وغريب بصرف النظر عن النتائج، ثم تحصل علي نفقاتها من خزانة الدولة. طبعاً نحن لسنا في زمان الضعيف فيه قوي حتي يؤخذ له الحق، والقوي فيه ضعيف حتي يؤخذ الحق منه، وليس هذا مقام الإفراط بالتفاؤل، ولكن ما من شيء أكثر إزعاجاً في دوائر السياسة الغربية من ملفات قضائية أخلاقية تستمد مشروعيتها من التشريعات الرسمية، ولا شيء أقوي من هذه الملفات في فتح ملفات مطوية وإستدراج المقابل إلي جولات مفاوضات وممارسة لي الأذرع. اتخاذ إسبانيا قراراً بدفع تعويضات لأربعة ملايين من مواطنيها الأصليين ممن انصهروا في البوتقة العربية والإسلامية، ومنحهم حق الجنسية والعودة إلي أرض الأجداد، مصطحبين معهم قصصاً تاريخياً عن ماضي إسبانيا غير الذي تقصه المدارس علي ناشئتها الذين لا يعرفون عن القرون الثمانية من الحقبة الأندلسية لبلادهم سوي أن عام 1492م (عام سقوط غرناطة وخروج المسلمين) كان بداية عصر النهضة، قرار مثل هذا لا يبدو أمراً واقعياً، وربما بدت سبتة ومليلية خياراً أسهل للتسوية من السيناريو الأندلسي. ہكاتب عراقي يقيم في لندن 8 |
Publicité
Partager cet article
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article