مشاهدات : أزمور مولاي بوشعيب•• أزمورسيدي وعدود
أ•مونتي ترجمة: سعيد عاهد
في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم 6 دجنبر ( 1900 ) ، غادرنا الدار البيضاء في اتجاه مراكش التي سنحل بها بعد بضعة أيام• انضاف إلى موكبنا مغربي، غمرته مرافقته لنا إلى العاصمة، حيث سيصل الرحم مع أفراد عائلته القاطنين بها، بالسعادة• عبرنا غابة مترامية الأطراف من شجر المصطكا، وهو عبارة عن جنبات شائكة يتراوح علوها بين ثلاثة وأربعة أمتار، تشكل أدغالا يستحيل النفاذ إليها• تعج الغابة هذه بأعداد كبيرة من الخنازير البرية، طرائد سنقنص بعضها حين عودتنا من مراكش• أرعبت رائحة الحلوف جيادنا وبغالنا فانزاحت عن الطريق مرات متعددة• يبدو أن المنطقة التي نتوغل فيها الآن غير آمنة، إذ هي لاتعدم قطاع الطرق، لكن نور القمر الذي ينير سبيلنا، وعدد أفراد قافلتنا، والمخزنيين الاثنين المرافقين لنا (اعتبر قائد الدار البيضاء أنه من الضروري إرسال أحد جنوده برفقتنا لحراستنا)، عوامل حمتنا من المتربصين والناهبين• في حدود السابعة والنصف، وصلنا إلى الموقع المحدد لإقامة مخيمنا، السوالم ـ هوارة• ليس المكان قرية ولا دوارا، بل هو مجرد ضيعة في ملكية مَحمِيٍّ مغربي أوصاه بنا أحد الأصدقاء الأوربيين القاطنين بالدارالبيضاء• يوم السابع من دجنبر، والساعة لم تتجاوز بعد الثالثة فجرا، طوينا الخيام لاستئناف السفر• كان الطقس صحوا بشكل رائع ودرجة الحرارة تصل الى 12 درجة• في بداية المرحلة، توغلنا مجددا في غابة مصطكا• ومن جديد أصاب الذعر دوابنا بفعل الخوف من الخنازير البرية ورائحتها، لتزيغ عن الطريق مرارا• بعد ذلك، اجتزنا هضابا شاسعة مشرفة على البحر، تضاريس تفتقد لكل ما يستحق الاهتمام• ونحن في الطريق، صادفنا مجموعة قواد يقومون بمهمة تفتيش• توقف مبعوثو المخزن ليستفسروا مرافقنا المخزني عن هويتنا، نحن المسيحيين الموجودين بمعيته• ولدت الأسئلة لدى صاحبنا شعورا عارما بالفخر، فاتخذ هيأة لا تخلو من غطرسة، مفتعلا أهمية قصوى لمأموريته: حراسة شخصيات مهمة هي نحن المسافرين البسطاء• هكذا، أشار إلي مدعيا أنني شقيق السفير الفرنسي! بعد تصريح المخزني الذي أثثه صاحبه بعبارات ملؤها الأبهة وتلاه بجدية صارمة، تبادلنا التحية مع ممثلي المخزن، تحية تليق بالوضع الاعتباري الذي أضفاه علي العسكري بدون مقابل ! وبينما نحن لانزال نقهقه بسبب مزحة المخزني الماكر الذي ظل يسخر من القواد، بعد ذهابهم، نظرا للمقلب الذكي والبريء الذي نصبه لهم، إذا بنا ندنو من مدينة أزمور المقدسة، الحاضرة حيث لايقطن أي أوربي• على بعد كيلومترات معدودة من المدينة التي يوجد بها الضريح المقدس للولي الصالح مولاي بوشعيب، مررنا قرب قبور الأولياء• عدد القبب لا يعد ولا يحصى هنا، كأن أكبر أولياء المغرب ـ مولاي بوشعيب ـ استقطب إلى جواره شخصيات كثيرة لاقت ربها وفي جعبتها بعض الكرامات وقسط من التبجيل• على حافة الطريق، لمحنا ، بالقرب من إحدى القبب، زربية مفروشة تشدها حجارة• بمحاذاة الزربية، كانت ثمة جرة ماء مخصصة لفائدة العابرين الذين عليهم التبرع بقطعة نقدية لصالح ولي القبة ورميها فوق البساط• وعلى بعد مسافة معينة من الزربية، صادفنا عدة كراكر• يطلق المغاربة اسم كركور على ركام حجارة ذي دلالة دينية، ركام يكدسه المسلمون الأتقياء• وكلما مر مغربي يحمل مشاعر دينية صادقة وحقيقية قرب كركور، يفرض عليه الواجب إضافة حجر إلى الكومة، أو ـ وهذا أفضل ـ تثبيته في نقطة معينة منها، مع الحفاظ على توازنها• هذا، ووفق روايات الأهالي، تشيد بعض الكراكر في أماكن محددة إحياء لذكرى حدث مهم أو مأساوي شهدته تلك الأماكن (موت عنيف، اغتيال أو حادث)• وفي هذه الحالة، يصبح الكركور عبارة عن نصب استغفاري• ومع ذلك، فـ الكراكر توضع عادة في أعلى نقطة تسمح برؤية قبة أو ضريح، وهو ما ينطبق على الكركور المبين في الرسم ، فمن موقعه تلوح في الأفق، للمرة الأولى بالنسبة للوافد من الشمال، مدينة أزمور• واصلنا السير حتى أشرفنا على ضفة أحد أكبر أنهار المغرب، وادي أم الربيع، لنعبره على متن قارب ونصل أسوار أزمور، الشامخة بروعة ، مثل مدرج، على ضفة النهر اليسرى، عند مصبه• استغرق العبور أكثر من ساعة بسبب توحل الضفة، وهو ما عقد عملية ركوبنا القارب وشحن الأمتعة عليه ونقل الدواب على متنه• والزورق يتقدم على أديم أم الربيع، كنا شهود حدث هزلي، إذ حاول الربان رمي مغربي مسكين في الماء نظرا لعدم توفره على ثمن العبور• تدخلنا لإنقاذه، فدفعت الأجرة المطلوبة التي لم تكن تتعدى بضعة سنتيمات• وبفعل هذا الكرم ـ البخس القيمة المالية ـ أصبحت نظرة المسلمين الحاضرين إلينا إيجابية• شكلت لحظة مغادرة المركب، على حافة أزمور، معركة حقيقية، إذ حاصرتنا حشود إبل كان أصحابها يجبرونها على الصعود من دون أن يتركوا لنا فرصة للنزول• لو رافقنا شاعر عربي خلال عبور أم الربيع، لخصص قصيدة كاملة لوصف ما جرى لنا• في الساعة الخامسة والنصف مساء ، ولجنا أسوار أزمور بعد طول عناء، فالطريق المؤدي من ضفة النهر الى باب المدينة الرئيسي وعر وفي حالة رديئة• عقدنا العزم على نصب مخيمنا بالقرب من ضريح مولاي بوشعيب، الواقع خارج الأسوار، لكن قائد أزمور، الذي أطلعه مرافقنا المخزني على الرسالة ـ الدورية للوزير الطريس بخصوصنا، رفض بتاتا أن نقضي الليلة تحت الخيام• هكذا، أمر بنقلنا الى منزل مخرب ووسخ، منزل تؤشر بقايا الصباغة العالقة بغرفة سكننا وحدائقه المهجورة على أنه كان إقامة جد جميلة في الماضي• تركنا دوابنا في الفناء الأول للبيت، لنكتشف أن الثاني يحتضن بئرا وقاعتين لاستقبال الضيوف، استعملنا إحداهما كمطبخ• أما الفناء الثالث، وهو أصغر وأكثر حميمية من الأولين ، فتطل عليه غرف رب الدار• انتقينا أفسح هذه القاعات للإقامة بها، وهي محاذية لباحة معمَّدة تقود إليها عدة أدراج، كما أن النور والهواء لا يتسربان إليها إلا عبر باب ذي مصراعين من الطراز الموريسكي • بعد التنظيف السطحي للمكان وترتيب الأسرة، نُصبت مائدة الأكل• ونحن نستعد للعشاء، وفد علينا الخليفة، وهو مغربي وسيم ذو هيأة تثير الوقار• لقد أرسله قائد المدينة ليرحب بنا ويسأل عن صحتنا وعن مجريات سفرنا • أمر الخليفة، لحظتها، بتقديم الدجاج والشمع والشاي وقوالب السكر لنا، وعند المغيب، أُحضِر لنا الخبز والكسكس، كما أتى عشرة جنود لحراستنا طوال الليل• لا يتجاوز عدد سكان أزمور عشرة آلاف نسمة، موزعين بين مسلمين ويهود، وهو رقم تقريبي ، لأن القائد عجز تماما عن تزويدي بإحصاء دقيق لعدد رعية دائرة نفوذه• ومع حلولنا بالمدينة، كنا قد انتقلنا من إقليم الشاوية، الذي اجتزناه انطلاقا من الدار البيضاء، إلى إقليم دكالة• خلال صبيحة يوم 8 دجنبر، تجولنا في أزمور•إنها مدينة لا تحتوي على ما يثير الانتباه أو يجذب الاهتمام : أزقة ضيقة ووسخة، وإحساس بالإهمال والخراب• جُبْنا البازار، لكن الحركة به منعدمة هذا الصباح• حاولنا، بكل ما أوتينا من قدرة على السؤال والبحث، اقتناء أواني خزفية هولاندية منه، لكن بدون جدوى، فهذا النوع من الأواني افتقد من أزمور الآن• طوال سنوات عديدة، كانت المدينة منجما لا ينضب تقريبا لقطع الخزف الهولاندية العتيقة، بعضها رائع وبعضها الآخر مبتذل• و بأم أعيننا، رأينا نماذج منها تزين بيوت الأهالي والأوربيين في المغرب ! إن المغاربة شغوفون، مثلنا في أوربا، بالخزف القديم وبأوانيه النادرة وبمنتوجات التربة المتميزة، وهم مصابون، مثلنا كذلك، بالعادة السيئة المتمثلة في عرض هذه التحف معلقة على جدران منازلهم• وحسب بعض الروايات، فإن باخرة هولاندية، ولعلها بواخر عديدة، محملة بمنتوجات بلادها (خزف وأواني•••) جنحت قديما على الجرف الرملي الذي يمنع ولوج وادي أم الربيع، ليسلب أهالي أزمور حمولتها• وتزعم روايات أخرى بأن الأمر يتعلق بحمولات مراكب اختطفها القراصنة المغاربة• ولهذا السبب أو ذاك، أضحت المدينة ، على امتداد حقبة زمنية طويلة، سوقا مهمة للخزف الهولاندي• ينتصب فوق مجموعة تلال واقعة في المنطقة الفاصلة بين أزمور والبحر، قبر ولي يهمني كثيرا، إنه سيدي وعدود الذي يزورالناس ضريحه بدون انقطاع• ويكمن سبب تقديس هذا الولي في كون التلال الرملية التي ما انفكت تزحف في اتجاه أزمور قد احترمت الضريح الذي تبزغ قبته بمفردها من وسط الرمال• ومن ثمة، نشأت الأسطورة التي تزعم بأن بغالا خفية تحضر، كل ليلة ، لتخليص محيط القبر من الرمال المتراكمة طوال النهار بفعل الرياح البحرية• كم تمنيت الدنو من هذا المكان المقدس، لكن التزمت المحلي يحرم علي ذلك ! كما أن المخزني، المكلف من طرف القائد بإرشادي أثناء جولاتي عبر المدينة، لم يجرؤ على مصاحبتي قريبا من القبة، خوفا من إصابتي بمكروه• وعلى ذكر مرشدنا المخزني، فلا بأس من سرد واقعة تكشف طبائع الإدارة المغربية• لقد استحق الرجل مكافأة، نظرا للخدمات الجيدة التي أسداها لنا خلال تنقلاتنا في أزمور ونواحيها، فأعطيناه قرشا (خمس بسيطات)• وبعد عودته للمثول أمام الخليفة، وبعد انتهاء هذا الأخير من استنطاقه حول حركاتنا وسكناتنا، سأله، حسب ما تناهى إلى علمنا لاحقا: ـ كم أعطاك هؤلاء المسيحيون؟ حينها، ولأنه كان ينتظر مثل هذا السؤال واتخذ احتياطاته مسبقا حتى لا تضيع حقوقه، أجاب المخزني: ـ لقد وهبوني ثلاث بسيطات • ـ هاتني بسيطتين اثنتين إذن، واحتفظ بواحدة لنفسك ! وهذا ما حدث بالفعل ، لكن العسكري احتفظ بثلاث قطع نقدية، بينما لم ينل الخليفة سوى اثنتين، علما بأنه نائب القائد، ومن ثمة فهوالرجل الثاني في هرم السلطة بالمدينة• ونحن على أهبة مغادرة أزمور، قمنا بزيارة قائد المدينة للتعبير له عن شكرنا• إنه رجل مسن، يُشع الوقار من هيأته• ترجلنا عن جيادنا أمام قصره، و هو في الواقع بيت متواضع، رغم كونه لا يخلو من مظاهر الجمال• استقبلنا القائد على عتبة الباب، ورغم اعتذارنا عن تلبية دعوته بدخول المنزل، مبررين ذلك بارتدائنا ملابس السفر وبضرورة وصولنا إلى مازاغان قبل حلول الليل، رغم ذلك، ألح علينا بلطف كبير لتناول الشاي في ضيافته• استجبنا لدعوته، وحسنا فعلنا• ها نحن داخل مسكن القائد، في قاعة استقبال مزينة، دون تكلف، بالبُسط والزرابي• ارتشفنا، كما تفرض ذلك العادة، ثلاث كؤوس من الشاي الأخضرالمنعنع والمسكَّر أكثر من اللازم• يفك الشاي دائما عقدة لسان المغاربة ويجعلهم يتجاوزون تحفظهم• هكذا، وبعد رده على أسئلتنا حول أزمور ومنطقة نفوذه، وبعد سؤالنا عن رحلتنا، بدأ القائد يتحدث بصراحة وبدون لف ولا دوران ، عن المخزن وعن قيادته• اشتكى بمرارة من السلطان ومن وزرائه، متهما إياهم باستئصال أراضٍ من مجال اختصاصه الجغرافي، ومضيفا بأنهم استغلوا إخلاصه لخدمة الصالح العام• ولاحقا، علمنا بأن محدثنا دفع مقابلا باهظا للظفر بمنصبه، وبأن شكواه، المشروعة في آخر المطاف، تعني تعرضه للسرقة بدون وجه حق• وبغض الطرف عن البعد الذاتي والطابع الشخصي لشكواه، فإن تصريحات القائد حول السياسة الداخلية للمخزن تستحق التسجيل بكل تأكيد• يعتقد قائدنا أن الإدارة المغربية السامية مرتشية تماما، وأن الشعب، الشعب المسكين، ضحيتها وأنه يؤدي ثمن ذلك عبر الابتزاز وسوء المعاملة• ويضيف صاحبنا، بنبرة ساخطة وصادقة، بأن المخزن حكومة لصوص تقود الأقاليم إلى الإفلاس والرعايا إلى البؤس• وأنا أنقل هنا عباراته وكلماته بكل أمانة• لقد أثارني خطاب قائد أزمور إلى حد كبير، وكيف لا، وهي المرة الأولى التي يصدقني خلالها موظف مغربي سام القول حول شؤون بلاده؟ شهورا بعد هذا اللقاء، سيتردد صدى هذه التصريحات العفوية في ذاكرتي مثيرا التقزز في نفسي، خاصة وأنني لم أسع أبدا الى استدراج مغربي للحديث عن سياسة المخزن وإدارة السلطان• ورغم ذلك، فليس ثمة مناص من الإقرار بأن شطط الحكومة الشريفية جلي للعيان وبأن تسلطها لا يطاق، مما يُؤدي إلى شكايات واحتجاجات في كل ربوع البلاد، وهي احتجاجات وشكايات من واجب أوربا الإنصات إليها، ذلك أن تدخل دولة أوربية عظمى صار يعتبر ضرورة مستعجلة بالنسبة للمغرب، مقارنة مع أي بلد آخر• وللأسف، فالدول المعنية أكثر من غيرها بحل القضية المغربية، والراغبة بقوة في بسط حمايتها عليه، تراقب بعضها البعض بعناية قصوى• هكذا، ونتيجة لتضارب أهدافها ومصالحها، ظل المغرب محافظا على الوضع المقيت القائم به• ومن جهة أخرى، وبفضل المنافسة بين هذه القوى العظمى المتوفرة على ممثليات ديبلوماسية مستقرة في طنجة، يظل أمل السلطان كبيرا في تأبيد الأوضاع المُؤسفة السائدة في امبراطوريته إن شاء الله، وهي أوضاع تُرضيه شخصيا• استأنفنا السفر بعد توديع القائد، لنجتاز أبواب أزمور، ونعبر محيط مولاي بوشعيب، الذي لمحنا ضريحه الفسيح، قبل أن ننخرط في الطريق المؤدية إلى مازاغان• على بعد ساعة من المدينة، صادفنا حشدا من الفرسان الزنوج، من عبيد قائد الشراردة، وهم يتولون مأمورية مرافقة نساء هذا الموظف السامي• كانت زوجات القائد نزيلات صناديق خشبية ضيقة محملة على ظهورالبغال• الصناديق الضيقة بلا نوافذ وذات ألوان فاقعة، أما أبوابها الموصدة بواسطة أقفال ضخمة ، فتؤشر على أن ما تحتويه عبارة عن سلعة نادرة تهزها البغال وتجعلها تترنح• وحريم قائد الشراردة يمر أمامي، شعرت كأنني في حضرة أحد معارض الحيوانات، معرض أُسِرت وحوشه الضارية في أقفاص معتمة حتى لاتُسبِّب أي حادث• يالسعادة هذا البلد! يا لسعادة نسائه
6/5/2006
الإتحاد الإشتراكي 2004- جميع الحقوق محفوظة
| |
في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم 6 دجنبر ( 1900 ) ، غادرنا الدار البيضاء في اتجاه مراكش التي سنحل بها بعد بضعة أيام• انضاف إلى موكبنا مغربي، غمرته مرافقته لنا إلى العاصمة، حيث سيصل الرحم مع أفراد عائلته القاطنين بها، بالسعادة• عبرنا غابة مترامية الأطراف من شجر المصطكا، وهو عبارة عن جنبات شائكة يتراوح علوها بين ثلاثة وأربعة أمتار، تشكل أدغالا يستحيل النفاذ إليها• تعج الغابة هذه بأعداد كبيرة من الخنازير البرية، طرائد سنقنص بعضها حين عودتنا من مراكش• أرعبت رائحة الحلوف جيادنا وبغالنا فانزاحت عن الطريق مرات متعددة• يبدو أن المنطقة التي نتوغل فيها الآن غير آمنة، إذ هي لاتعدم قطاع الطرق، لكن نور القمر الذي ينير سبيلنا، وعدد أفراد قافلتنا، والمخزنيين الاثنين المرافقين لنا (اعتبر قائد الدار البيضاء أنه من الضروري إرسال أحد جنوده برفقتنا لحراستنا)، عوامل حمتنا من المتربصين والناهبين• في حدود السابعة والنصف، وصلنا إلى الموقع المحدد لإقامة مخيمنا، السوالم ـ هوارة• ليس المكان قرية ولا دوارا، بل هو مجرد ضيعة في ملكية مَحمِيٍّ مغربي أوصاه بنا أحد الأصدقاء الأوربيين القاطنين بالدارالبيضاء• يوم السابع من دجنبر، والساعة لم تتجاوز بعد الثالثة فجرا، طوينا الخيام لاستئناف السفر• كان الطقس صحوا بشكل رائع ودرجة الحرارة تصل الى 12 درجة• في بداية المرحلة، توغلنا مجددا في غابة مصطكا• ومن جديد أصاب الذعر دوابنا بفعل الخوف من الخنازير البرية ورائحتها، لتزيغ عن الطريق مرارا• بعد ذلك، اجتزنا هضابا شاسعة مشرفة على البحر، تضاريس تفتقد لكل ما يستحق الاهتمام• ونحن في الطريق، صادفنا مجموعة قواد يقومون بمهمة تفتيش• توقف مبعوثو المخزن ليستفسروا مرافقنا المخزني عن هويتنا، نحن المسيحيين الموجودين بمعيته• ولدت الأسئلة لدى صاحبنا شعورا عارما بالفخر، فاتخذ هيأة لا تخلو من غطرسة، مفتعلا أهمية قصوى لمأموريته: حراسة شخصيات مهمة هي نحن المسافرين البسطاء• هكذا، أشار إلي مدعيا أنني شقيق السفير الفرنسي! بعد تصريح المخزني الذي أثثه صاحبه بعبارات ملؤها الأبهة وتلاه بجدية صارمة، تبادلنا التحية مع ممثلي المخزن، تحية تليق بالوضع الاعتباري الذي أضفاه علي العسكري بدون مقابل ! وبينما نحن لانزال نقهقه بسبب مزحة المخزني الماكر الذي ظل يسخر من القواد، بعد ذهابهم، نظرا للمقلب الذكي والبريء الذي نصبه لهم، إذا بنا ندنو من مدينة أزمور المقدسة، الحاضرة حيث لايقطن أي أوربي• على بعد كيلومترات معدودة من المدينة التي يوجد بها الضريح المقدس للولي الصالح مولاي بوشعيب، مررنا قرب قبور الأولياء• عدد القبب لا يعد ولا يحصى هنا، كأن أكبر أولياء المغرب ـ مولاي بوشعيب ـ استقطب إلى جواره شخصيات كثيرة لاقت ربها وفي جعبتها بعض الكرامات وقسط من التبجيل• على حافة الطريق، لمحنا ، بالقرب من إحدى القبب، زربية مفروشة تشدها حجارة• بمحاذاة الزربية، كانت ثمة جرة ماء مخصصة لفائدة العابرين الذين عليهم التبرع بقطعة نقدية لصالح ولي القبة ورميها فوق البساط• وعلى بعد مسافة معينة من الزربية، صادفنا عدة كراكر• يطلق المغاربة اسم كركور على ركام حجارة ذي دلالة دينية، ركام يكدسه المسلمون الأتقياء• وكلما مر مغربي يحمل مشاعر دينية صادقة وحقيقية قرب كركور، يفرض عليه الواجب إضافة حجر إلى الكومة، أو ـ وهذا أفضل ـ تثبيته في نقطة معينة منها، مع الحفاظ على توازنها• هذا، ووفق روايات الأهالي، تشيد بعض الكراكر في أماكن محددة إحياء لذكرى حدث مهم أو مأساوي شهدته تلك الأماكن (موت عنيف، اغتيال أو حادث)• وفي هذه الحالة، يصبح الكركور عبارة عن نصب استغفاري• ومع ذلك، فـ الكراكر توضع عادة في أعلى نقطة تسمح برؤية قبة أو ضريح، وهو ما ينطبق على الكركور المبين في الرسم ، فمن موقعه تلوح في الأفق، للمرة الأولى بالنسبة للوافد من الشمال، مدينة أزمور• واصلنا السير حتى أشرفنا على ضفة أحد أكبر أنهار المغرب، وادي أم الربيع، لنعبره على متن قارب ونصل أسوار أزمور، الشامخة بروعة ، مثل مدرج، على ضفة النهر اليسرى، عند مصبه• استغرق العبور أكثر من ساعة بسبب توحل الضفة، وهو ما عقد عملية ركوبنا القارب وشحن الأمتعة عليه ونقل الدواب على متنه• والزورق يتقدم على أديم أم الربيع، كنا شهود حدث هزلي، إذ حاول الربان رمي مغربي مسكين في الماء نظرا لعدم توفره على ثمن العبور• تدخلنا لإنقاذه، فدفعت الأجرة المطلوبة التي لم تكن تتعدى بضعة سنتيمات• وبفعل هذا الكرم ـ البخس القيمة المالية ـ أصبحت نظرة المسلمين الحاضرين إلينا إيجابية• شكلت لحظة مغادرة المركب، على حافة أزمور، معركة حقيقية، إذ حاصرتنا حشود إبل كان أصحابها يجبرونها على الصعود من دون أن يتركوا لنا فرصة للنزول• لو رافقنا شاعر عربي خلال عبور أم الربيع، لخصص قصيدة كاملة لوصف ما جرى لنا• في الساعة الخامسة والنصف مساء ، ولجنا أسوار أزمور بعد طول عناء، فالطريق المؤدي من ضفة النهر الى باب المدينة الرئيسي وعر وفي حالة رديئة• عقدنا العزم على نصب مخيمنا بالقرب من ضريح مولاي بوشعيب، الواقع خارج الأسوار، لكن قائد أزمور، الذي أطلعه مرافقنا المخزني على الرسالة ـ الدورية للوزير الطريس بخصوصنا، رفض بتاتا أن نقضي الليلة تحت الخيام• هكذا، أمر بنقلنا الى منزل مخرب ووسخ، منزل تؤشر بقايا الصباغة العالقة بغرفة سكننا وحدائقه المهجورة على أنه كان إقامة جد جميلة في الماضي• تركنا دوابنا في الفناء الأول للبيت، لنكتشف أن الثاني يحتضن بئرا وقاعتين لاستقبال الضيوف، استعملنا إحداهما كمطبخ• أما الفناء الثالث، وهو أصغر وأكثر حميمية من الأولين ، فتطل عليه غرف رب الدار• انتقينا أفسح هذه القاعات للإقامة بها، وهي محاذية لباحة معمَّدة تقود إليها عدة أدراج، كما أن النور والهواء لا يتسربان إليها إلا عبر باب ذي مصراعين من الطراز الموريسكي • بعد التنظيف السطحي للمكان وترتيب الأسرة، نُصبت مائدة الأكل• ونحن نستعد للعشاء، وفد علينا الخليفة، وهو مغربي وسيم ذو هيأة تثير الوقار• لقد أرسله قائد المدينة ليرحب بنا ويسأل عن صحتنا وعن مجريات سفرنا • أمر الخليفة، لحظتها، بتقديم الدجاج والشمع والشاي وقوالب السكر لنا، وعند المغيب، أُحضِر لنا الخبز والكسكس، كما أتى عشرة جنود لحراستنا طوال الليل• لا يتجاوز عدد سكان أزمور عشرة آلاف نسمة، موزعين بين مسلمين ويهود، وهو رقم تقريبي ، لأن القائد عجز تماما عن تزويدي بإحصاء دقيق لعدد رعية دائرة نفوذه• ومع حلولنا بالمدينة، كنا قد انتقلنا من إقليم الشاوية، الذي اجتزناه انطلاقا من الدار البيضاء، إلى إقليم دكالة• خلال صبيحة يوم 8 دجنبر، تجولنا في أزمور•إنها مدينة لا تحتوي على ما يثير الانتباه أو يجذب الاهتمام : أزقة ضيقة ووسخة، وإحساس بالإهمال والخراب• جُبْنا البازار، لكن الحركة به منعدمة هذا الصباح• حاولنا، بكل ما أوتينا من قدرة على السؤال والبحث، اقتناء أواني خزفية هولاندية منه، لكن بدون جدوى، فهذا النوع من الأواني افتقد من أزمور الآن• طوال سنوات عديدة، كانت المدينة منجما لا ينضب تقريبا لقطع الخزف الهولاندية العتيقة، بعضها رائع وبعضها الآخر مبتذل• و بأم أعيننا، رأينا نماذج منها تزين بيوت الأهالي والأوربيين في المغرب ! إن المغاربة شغوفون، مثلنا في أوربا، بالخزف القديم وبأوانيه النادرة وبمنتوجات التربة المتميزة، وهم مصابون، مثلنا كذلك، بالعادة السيئة المتمثلة في عرض هذه التحف معلقة على جدران منازلهم• وحسب بعض الروايات، فإن باخرة هولاندية، ولعلها بواخر عديدة، محملة بمنتوجات بلادها (خزف وأواني•••) جنحت قديما على الجرف الرملي الذي يمنع ولوج وادي أم الربيع، ليسلب أهالي أزمور حمولتها• وتزعم روايات أخرى بأن الأمر يتعلق بحمولات مراكب اختطفها القراصنة المغاربة• ولهذا السبب أو ذاك، أضحت المدينة ، على امتداد حقبة زمنية طويلة، سوقا مهمة للخزف الهولاندي• ينتصب فوق مجموعة تلال واقعة في المنطقة الفاصلة بين أزمور والبحر، قبر ولي يهمني كثيرا، إنه سيدي وعدود الذي يزورالناس ضريحه بدون انقطاع• ويكمن سبب تقديس هذا الولي في كون التلال الرملية التي ما انفكت تزحف في اتجاه أزمور قد احترمت الضريح الذي تبزغ قبته بمفردها من وسط الرمال• ومن ثمة، نشأت الأسطورة التي تزعم بأن بغالا خفية تحضر، كل ليلة ، لتخليص محيط القبر من الرمال المتراكمة طوال النهار بفعل الرياح البحرية• كم تمنيت الدنو من هذا المكان المقدس، لكن التزمت المحلي يحرم علي ذلك ! كما أن المخزني، المكلف من طرف القائد بإرشادي أثناء جولاتي عبر المدينة، لم يجرؤ على مصاحبتي قريبا من القبة، خوفا من إصابتي بمكروه• وعلى ذكر مرشدنا المخزني، فلا بأس من سرد واقعة تكشف طبائع الإدارة المغربية• لقد استحق الرجل مكافأة، نظرا للخدمات الجيدة التي أسداها لنا خلال تنقلاتنا في أزمور ونواحيها، فأعطيناه قرشا (خمس بسيطات)• وبعد عودته للمثول أمام الخليفة، وبعد انتهاء هذا الأخير من استنطاقه حول حركاتنا وسكناتنا، سأله، حسب ما تناهى إلى علمنا لاحقا: ـ كم أعطاك هؤلاء المسيحيون؟ حينها، ولأنه كان ينتظر مثل هذا السؤال واتخذ احتياطاته مسبقا حتى لا تضيع حقوقه، أجاب المخزني: ـ لقد وهبوني ثلاث بسيطات • ـ هاتني بسيطتين اثنتين إذن، واحتفظ بواحدة لنفسك ! وهذا ما حدث بالفعل ، لكن العسكري احتفظ بثلاث قطع نقدية، بينما لم ينل الخليفة سوى اثنتين، علما بأنه نائب القائد، ومن ثمة فهوالرجل الثاني في هرم السلطة بالمدينة• ونحن على أهبة مغادرة أزمور، قمنا بزيارة قائد المدينة للتعبير له عن شكرنا• إنه رجل مسن، يُشع الوقار من هيأته• ترجلنا عن جيادنا أمام قصره، و هو في الواقع بيت متواضع، رغم كونه لا يخلو من مظاهر الجمال• استقبلنا القائد على عتبة الباب، ورغم اعتذارنا عن تلبية دعوته بدخول المنزل، مبررين ذلك بارتدائنا ملابس السفر وبضرورة وصولنا إلى مازاغان قبل حلول الليل، رغم ذلك، ألح علينا بلطف كبير لتناول الشاي في ضيافته• استجبنا لدعوته، وحسنا فعلنا• ها نحن داخل مسكن القائد، في قاعة استقبال مزينة، دون تكلف، بالبُسط والزرابي• ارتشفنا، كما تفرض ذلك العادة، ثلاث كؤوس من الشاي الأخضرالمنعنع والمسكَّر أكثر من اللازم• يفك الشاي دائما عقدة لسان المغاربة ويجعلهم يتجاوزون تحفظهم• هكذا، وبعد رده على أسئلتنا حول أزمور ومنطقة نفوذه، وبعد سؤالنا عن رحلتنا، بدأ القائد يتحدث بصراحة وبدون لف ولا دوران ، عن المخزن وعن قيادته• اشتكى بمرارة من السلطان ومن وزرائه، متهما إياهم باستئصال أراضٍ من مجال اختصاصه الجغرافي، ومضيفا بأنهم استغلوا إخلاصه لخدمة الصالح العام• ولاحقا، علمنا بأن محدثنا دفع مقابلا باهظا للظفر بمنصبه، وبأن شكواه، المشروعة في آخر المطاف، تعني تعرضه للسرقة بدون وجه حق• وبغض الطرف عن البعد الذاتي والطابع الشخصي لشكواه، فإن تصريحات القائد حول السياسة الداخلية للمخزن تستحق التسجيل بكل تأكيد• يعتقد قائدنا أن الإدارة المغربية السامية مرتشية تماما، وأن الشعب، الشعب المسكين، ضحيتها وأنه يؤدي ثمن ذلك عبر الابتزاز وسوء المعاملة• ويضيف صاحبنا، بنبرة ساخطة وصادقة، بأن المخزن حكومة لصوص تقود الأقاليم إلى الإفلاس والرعايا إلى البؤس• وأنا أنقل هنا عباراته وكلماته بكل أمانة• لقد أثارني خطاب قائد أزمور إلى حد كبير، وكيف لا، وهي المرة الأولى التي يصدقني خلالها موظف مغربي سام القول حول شؤون بلاده؟ شهورا بعد هذا اللقاء، سيتردد صدى هذه التصريحات العفوية في ذاكرتي مثيرا التقزز في نفسي، خاصة وأنني لم أسع أبدا الى استدراج مغربي للحديث عن سياسة المخزن وإدارة السلطان• ورغم ذلك، فليس ثمة مناص من الإقرار بأن شطط الحكومة الشريفية جلي للعيان وبأن تسلطها لا يطاق، مما يُؤدي إلى شكايات واحتجاجات في كل ربوع البلاد، وهي احتجاجات وشكايات من واجب أوربا الإنصات إليها، ذلك أن تدخل دولة أوربية عظمى صار يعتبر ضرورة مستعجلة بالنسبة للمغرب، مقارنة مع أي بلد آخر• وللأسف، فالدول المعنية أكثر من غيرها بحل القضية المغربية، والراغبة بقوة في بسط حمايتها عليه، تراقب بعضها البعض بعناية قصوى• هكذا، ونتيجة لتضارب أهدافها ومصالحها، ظل المغرب محافظا على الوضع المقيت القائم به• ومن جهة أخرى، وبفضل المنافسة بين هذه القوى العظمى المتوفرة على ممثليات ديبلوماسية مستقرة في طنجة، يظل أمل السلطان كبيرا في تأبيد الأوضاع المُؤسفة السائدة في امبراطوريته إن شاء الله، وهي أوضاع تُرضيه شخصيا• استأنفنا السفر بعد توديع القائد، لنجتاز أبواب أزمور، ونعبر محيط مولاي بوشعيب، الذي لمحنا ضريحه الفسيح، قبل أن ننخرط في الطريق المؤدية إلى مازاغان• على بعد ساعة من المدينة، صادفنا حشدا من الفرسان الزنوج، من عبيد قائد الشراردة، وهم يتولون مأمورية مرافقة نساء هذا الموظف السامي• كانت زوجات القائد نزيلات صناديق خشبية ضيقة محملة على ظهورالبغال• الصناديق الضيقة بلا نوافذ وذات ألوان فاقعة، أما أبوابها الموصدة بواسطة أقفال ضخمة ، فتؤشر على أن ما تحتويه عبارة عن سلعة نادرة تهزها البغال وتجعلها تترنح• وحريم قائد الشراردة يمر أمامي، شعرت كأنني في حضرة أحد معارض الحيوانات، معرض أُسِرت وحوشه الضارية في أقفاص معتمة حتى لاتُسبِّب أي حادث• يالسعادة هذا البلد! يا لسعادة نسائه
6/5/2006
الإتحاد الإشتراكي 2004- جميع الحقوق محفوظة
| |
Publicité
Partager cet article
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article