Azemmour/régionكارثة تهدد شريط هشتوكة بسبب ملوحة الفرشة المائية
ينتظر الشريط الساحلي المعروف بالولجة عبر جماعتي هشتوكة وسيدي علي بن حمدوش بدائرة أزمور، تفعيل التدابير والإجراءات الخاصة بمشروع إنقاذه، بعد أن تضرر الفلاحون، واشتدت ملوحة الفرشة المائية، مما يدفع الإنتاج نحو الكارثة، خاصة بعدما عجز الفلاحون عن أداء 60 % من ميزانية مشروع الإصلاح البالغة 14 مليار سنتيم.
تفاقمت المشاكل، وتكاثرت الديون على كاهل الفلاح الذي فضل الرحيل وترك الأرض جرداء تعيث فيها الحشرات والأوبئة فسادا.
على امتداد 27 كلم على طول الطريق الشاطئية الرابطة بين الدار البيضاء والجديدة، والتابعة إداريا إلى جماعتي هشتوكة وسيدي علي بن حمدوش، ينساب شريط الولجة بداية من محاذاة مستشفى بلعياشي المختص في علاج أمراض السل والربو إلى نهاية منطقة "فليك" في بساط أخضر وبوحدات سكنية وضيعات تعكس بصمات تواجد أوروبي بالمنطقة، وملامح حياة اجتماعية راقية دفعت بأحد عمال الإقليم السابقين إلى نعت هذا الفضاء بـ«كاليفورنيا المغرب». لم يكن هذا الوصف اعتباطيا، إذ كان دافعه مناخ المنطقة المتميز طيلة السنة والبعيد عن كل بؤر الثلوث، وهوائه العليل الذي كان عاملا أساسيا في تواجد مستشفى بلعياشي، وفي تهافت العديد من المستثمرين على إنجاز مشاريع صحية وسياحية بالمنطقة. وتلقى هؤلاء المستثمرون الموافقة المبدئية في انتظار الإنتهاء من تصميم التهيئة بشاطئ سيدي بو نعايم المطروح للدراسة حاليا بمفتشية التعمير بولاية آسفي، خاصة المشروع الأمريكي الإنجليزي الذي يهم إحداث مركب سياحي يضم مصحات وملاعب وفنادق ومساحات خضراء للمتقاعدين الأجانب وذلك على امتداد 32 هكتارا، ومشروع ثاني لجمعية فرنســية مغـربية من أجل بناء مركب سياحي يضم مصـــحة وعـدة مرافق أخـــرى على امتـداد 13 هكتارا. وقد اشتهر هذا الشريط بإنتاج "الكلمنتين" وتصديره إلى الأسواق العالمية لجودته المتميزة، قبل أن تتوسع دائرة منتوجاته لتشمل أيضا وكميات تفوق المنتوج الوطني كالموز والجوز الهندي والورد. وعرفت هذه المنطقة منذ 1909 أي منذ بداية القرن الماضي شهرة كبرى في مجالات إنتاج القطن، وزريعة الكتان، والحناء، والحمص، ودوالي العنب، وكروم السفرجل والرمان، وهو ما حدا بالعديد من الوسطاء الأوروبيين خاصة من فرنسا وألمانيا وإسبانيا إلى الإقامة والاستثمار هناك...، فنشطت الفلاحة والأيدي العاملة التي اكتسبت خبرة كبرى من خلال اشتغالها في ضيعات المعمرين الذين لازالت أسماؤهم محفورة في ذاكرة السكان كفليك وطوماني، وطوان، وبيكي، وكافا، وكمراد، وجاكير، وميمو، وبياندو وغيرهم. بداية سنوات الجفاف والكوارث جودة منتوج منطقة هشتوكة قوت من العروض عليه، فتعرضت المنطقة إلى استغلال كبير وضغط استثماري لا يوصف نجمت عنه للأسف قلة وشح في الموارد المائية، مما أدى إلى بروز بعض بوادر الجفاف، خاصة أمام تعرض المنطقة لضغط الضخ المائي، فأصيبت بذلك الفرشة المائية بارتفاع نسبة الملوحة فيها بداية من 1980. ونتيجة لذلك أخذ الإنتاج الفلاحي مسارا آخر بتدني مؤشراته وأرقامه وحجم الأراضي المستغلة، حيث أصبحت حقول الطماطم غير قابلة للزراعة، كما أن المنطقة أصيبت أيضا بفيروس telk مما ساهم في تراجع سمعة الإنتاج وكساده. وإضافة إلى ذلك ظهرت أيضا الذبابة البيضاء التي وضعت حدا لكل سبل التفاؤل، خاصة أمام صمت بعض الشركات وغياب أي التفاتة من المسؤولين عن القطاع، مما جعل المساحة الإجمالية لزراعة الطماطم داخل البيوت المغطاة تتقلص من حوالي 1000 هكتار كانت تعطي ناتجا إجماليا بقيمة 100 ألف طن سنويا على مرحلتين إلى مساحة لا تتجاوز 10 هكتارات لا يتعدى منتوجها 1000 طن دون الجودة المعهودة. وقد تفاقمت بذلك المشاكل، وتكاثرت الديون على كاهل الفلاح الذي فضل الرحيل وترك الأرض جرداء تعيث فيها الحشرات والأوبئة فسادا. وأشار أحد الفلاحين إلى أن المنطقة أصيبت هذه السنة بموجة صقيع أتت على ما تبقى من الأمل والرجاء، وضربت منتوج البطاطس الذي لم يتعد إنتاجه ستة أطنان في الهكتار الواحد. ولم يكن المنتوج في المواسم العادية ليقل عن 16 طنا كما حصل في الموسم المنصرم، كما أن الهكتار الواحد يتطلب 3 أطنان من الزريعة و 11 ألف درهم كصوائر، في حين لم يتعد مدخول الهكتار الواحد 8 آلاف درهم، وبالمقـابل أضـحى مجموعة من تجار المواد الفلاحية خاصة (زريـعة البطـاطس) عرضة للإفلاس بسبب تراجع الفلاحة بهذه المنطقة الخصبة، إذ تظل مخزنة بمستودعات التبريد رغم ارتفاع تكاليف اقتنائها التي تتراوح ما بين درهم ودرهم ونصف للكيلو الواحد دون احتساب مصاريف النقل والتبريد التي تصل إلى 0,70 درهما للكيلوغرام لمدة 3 أشهر. ورغم أن بعض الفلاحين يقومون بزراعة جزء من أراضيهم بالبطاطس خلال المرحلة الأولى من المـوسم الفلاحي التي تصادف فصل الشتاء، فإن خسارة تجار الزريعة تظل قائمة إذ أصبح ثمن بيعها لا يتجاوز 1,70 درهما للكيلو الواحد. وتنضاف إلى هذه الخسائر إتلاف منتــوج اللــوبيا، بدوره خلال شهر يونيو الأخير حين حاول بعض الفلاحين الشباب استغلال أراضيهم في زراعة هذا النوع من الخضروات رغم ارتفاع نسبة الملوحة في المياه الجوفية والتي أتت على المحصول في المراحل الأخيرة من نموه، حيث اصفرت الثمار وذبلت أوراق المنتوج. وبذلك يتضاعف حجم الكارثة التي حلت بالمنطقة والتي أضحت تستلزم اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الوقائية والعلاجية والإصلاحية لإنعاش فلاحة المنطقة قبل أن تتحول إلى شبه صحراء في منطقة دكالة الفيحاء... إجراءات وتدابير وقائية أكدت بعض المصادر من المنطقة أن عدة لجن تقنية متعددة الأطراف عاينت الكارثة التي حلت بالمنطقة، وأوضحت في تقاريرها الأضرار المترتبة عن الملوحة والصقيع والجفاف والأوبئة كما قيمت بعض تقارير ممثل المركز الفلاحي في اجتماع مسؤول خلال دورة أبريل المنصرم حجم الخسائر والإكراهات التي أصبح يعيشها الفلاح خاصة أمام تراكم الديون. وقد التجأ بعض الفلاحين إلى اقتناء نوع جديد من البذور قيل بأنها تقاوم الفيروس والذبابة وذلك من شركة مغربية بالبيضاء وبالفعل لم تطرح مشاكل الفيروس لكن واجهتهم مشاكل أخرى من قبيل تراجع ثمن البيع الذي لم يتعد 15 درهما للصندوق الواحد الذي يزن نحو 30 كيلوغراما لتتضاعف المعاناة وتتفاقم مظاهر الكارثة. ومن تم أصبح الفلاح الآن يأمل في تدخل الدولة والسلطات المحلية لتجديد القروض أو تأجيل آجــال أدائها من منطلق أن المداخيل لم تعد كافية حتى لتســديد ثـمن المحروقات التي زيد في سعرها والأسمدة والأدوية التي عرفت غلاء صاروخيا. وفي هذا الصدد وللنهوض من جديد بهذه المنطقة قام بعض الشباب من أبناءها بتأسيس 6 جمعيات تحت لواء فيدرالية "التضامن لجمعيات مستغلي المياه المخصصة لأغراض زراعية بالمنطقة الساحلية الولجة هشتوكة" وذلك سنة 2004. وقد قامت بالتنسيق مع المديرية الإقليمية للفلاحة بالجديدة بإنجاز دراسة بهدف جلب الماء من وادي أم الربيع لإنقاذ المنطقة التي تشمل 2535 هكتارا إلا أن هذا المشروع توقف وربما لن يجد النور لأن غلافه المالي يصل 14 مليار سنتيم والدولة لن تساهم فيه إلا ب 40 % بما فيها مصاريف الدراسة فمن أين للفلاحين ب 60 % الباقية ؟ ورغم ذلك فإن هؤلاء الشباب منخرطي الجمعيات المتضررة لم يفقدوا الأمل في بعث الروح من جديد في تربة أراضيهم الفلاحية الخصبة، إذ بادروا خلال شهر شتنبر الجاري إلى عقد مجموعة من الإجتماعات بحضور عدد من الفعاليات الفلاحية والمسؤولين المحليين تارة بمدينة أزمور وتارة أخرى بمدينة سيدي بنور لانتخاب ممثل عن الجمعيات التي تعنى بالسقي بدكالة لحضور أشغال المجلس الإداري لوكالة حوض أم الربيع. وخلصت باقي الإجتماعات إلى الإتفاق على ضرورة وضع طلب للمديرية الإقليمية للتجهيز من أجل الحفاظ على الكمية المبرمجة من الماء والبالغة 12 مليون متر مكعب لهذه المساحة والتي لا زالت حوالــي 80 منها "راقدة" مع بداية هـذا الموسم الفلاحي مما سيدفع بأصحابها إلى استغلالها في زراعة الحبوب البورية كما صرح بذلك رئيس الفيدرالية المذكورة. وعبر نفس المصدر عن أسفه الشديد من عدم استفادة الجمعيات الست المنضوية تحت لواء فيدراليته والتابعة لجماعتي هشتوكة وسيدي علي بن حمدوش من مياه أم الربيع التي تستفيد منها حوالي 351 جمعية انطلاقا من منبعه حتى مشارف للاعائشة البحرية. وفي السياق ذاته ومن أجل النهوض بالمنطقة يطالب العديد من سكان دواوير التاكورانت والكواهي والدابوزية التابعة لجماعة سيدي علي بن حمدوش من خلال شكاية مذيلة بعشرات التوقيعات توصلت "الأحداث المغربية" بنسخة منها بوقف العمل داخل منشأة صناعية لإعادة تأهيل الزيوت المستعملة مما يؤدي إلى تصاعد أدخنة مصحوبة بروائح كريهة مضرة بالبيئة وهو ما قد يأتي على ما تبقى من الأمل في الحياة لدى هؤلاء الفلاحين. وبناء على ذلك يتساءل هؤلاء الشباب ومن ورائهم مجموع الفلاحين بالمنطقة عن الإجراءات الوقائية الكفيلة بوقف هذه الكارثة ونزيف الهجرة من المنطقة التي أضحت مقابل ذلك عرضة للزحف الإسمنتي وبناء سكنيات الترفيه...
إعداد: عبد الفتاح زغادي