Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog de:  azizsalaheddine@hotmail.com

/2/"مؤسسة الأوربييــن الأوائــل بمازاغان خلال القرن التاسع عشر الميلادي

10 Juin 2011 , Rédigé par saladin Publié dans #Documents sur mazagan

من بين 22 ألف نسمة التي تتكون منها ساكنة مازاغان كان هناك حوالي 1600 أوربي منهم 830 فرنسي يشكلون أغلبية منذ إقامة نظام الحماية بالمغرب أي منذ 1912. ويمكن اعتبار هذه الأرقام تعبيرا عن حصيلة إحصاء 1917 وبعد توقف حرب التهدئة في الساحل بشكل تام فإن الهجرة الأوربية إلى مازاكان ازدادت كما هو الشأن في باقي المدن المغربية.

       إن سنة 1914 تعبر بالنسبة للمؤرخ أو الإحصائي عن الهجرة الأولى النشيطة إلى المملكة الشريفة.       

       إننا سنحاول وصف الهجرة الأولى لمازاغان في النصف الأول من القرن 19م، والتي نقلت إلينا عبر الرواية الشفوية تحتفظ بها (اليوم) الأسر الجبرالطية (نسبة لجبل طارق) والإسبانية والإيطالية والفرنسية.

 

1) مازاغان في بداية القرن 19 م: أوائل التجار الأجانب : عائلة ريدمان.

       بعد مغادرة البرتغال سنة 1769م لمازغان سقط الحصن بيد المغاربة(1) فترك السلطان مولاي محمد بن عبد الله حامية عسكرية التي اعتبرت لمدة زمنية ساكنة لهذه المدينة المهدومة والمخربة.

       وحسب شهادة المؤرخ المغربي السلاوي (المقصود به الناصري صاحب كتاب الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى) أنه في حوالي 1821م موافق 1240 هجرية تم تعيين السيد محمد بن الطيب عاملا على إقليم دكالة حيث مازاغان ميناؤه الطبيعي. ويتحدث المؤرخ السلاوي عن ذلك فيقول:

       "توجه (أي العامل) إلى الجديدة (مازاغان) فوجدها عبارة عن خراب، والذي كانت عليه منذ استرجاعها من طرف السلطان محمد (رحمه الله) وكانت المدينة تسمى البريجة قبل الحملة لكن بعدما تهدمت أسوارها بالديناميت سميت بالمهدومة. فأمر سيدي علي محمد بن الطيب بإعادة بناء أسوارها وما خرب منها. فسماها الجديدة وهدد بمعاقبة كل من أطلق عليها اسما آخر ومنذ ذلك الوقت وهي تسمى بالجديدة (Archives marocaine , t, x, p :117)(2).

       إن هذا الحدث لم يكن ذا أهمية لولا وجود حاكم ذكي (لا نعلم إن كان محمد بن الطيب أو شخصا آخر) قام بتهيئة المدينة وتنميتها عبر تنشيط التجارة عبد مينائها. دون الاعتماد على السكان المحليين الذين هم عبارة عن فلاحين ورعاة مرتبطين بدواويرهم وأراضيهم. بل لجأ إلى يهود مدينة أزمور المطلة على أم الربيع التي تبعد ب 17 كلم عن مزاغان. والذين كانوا مرتبطين تجاريا مع أوربا. فاستدعاهم للإقامة بمازاغان، فاعتبروا بذلك أول الساكنين بها. وبذلك بدأت القوافل التجارية من دكالة تتجه صوب ميناء الجديدة حاملة منتجات وبضائع المنطقة (خاصة عندما كانت عملية التصدير مرخصة من قبل المخزن) لتصديرها مقابل المنتجات الأوربية التي بدأت تتجمع في مخازن التجار اليهود.

       إن التجارة مع أوربا لم تتطور إلا بعد قيام المولى سليمان الذي أدرك (في بداية حكمه) أهمية ما يمكن أن يجنيه من التجارة مع القوى المسيحية، حيث استقدم من آسفي اليهودي المغربي ما يمران والذي كان في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله يحتل منصبا ساميا (لدى المخزن المغربي). فأرسله مبعوثا إلى أوربا قصد تنشيط التجارة معها. وعندما عاد مايمران كان برفقته إسباني وبرتغاليين الذين اهتموا بتجارة الحبوب والصوف والشمع وبعد سنوات أتى للاستقرار بمازاكان مالطي وأمريكي .(Note manuscrite de Mr Serverac, écrite à Mazagan vers 1861) (3)  

       ولازال بعض السكان العرب يتذكرون أنهم سمعوا في شبابهم بالمالطي كأحد الأوربيين الأوائل الذين قدموا للاستقرار بمازاغان في القرن 19 م، إلا أن معلوماتهم حوله تبقى غير دقيقة، فهم يذكرون أن هذا المالطي تخصص في تجارة الفول مع جبل طارق. أما بالنسبة لليهودي ميمران فإنه ينحدر من أسرة ذات نفوذ ، إذ كان أفراد من عائلته في القرن 19 م مستشاري السلطان وزعماء للطائفة اليهودية بالمغرب. وهذا ما يفسر النفوذ والخطوة والتأثير الذي كان لهذه الأسرة لدى الحكومة المغربية(4)؟

       إن معلوماتنا تبقى وفيرة ومهمة حول العائلة ريدمانRedman التي لعبت دورا مهما في الاستيطان الأوربي بمازاغان. فكون ريدمان ذو الأصل الإنجليزي قدم سنة 1822 م للاستقرار بمازغان وبعد بضع سنوات استقدم إخوته فريدريك في 1837 م وألفريد 1843 م فنمت شركة ريدمان.

       وأظهر ميله وولائه لفرنسا. وعمل على تطوير الفلاحة والتجارة بدكالة.

       وقد دعيا الإخوة ريدمان لتقديم خدمات لصالح القوى الأوربية التي كانت مراكبها تزور من حين لآخر الساحل المغربي. فمهمتهم كانت كنواب بالمجلس الصحي، وكان أولهم فردريك ريدمان أول من تولى ذلك المنصب في 1840 . مما جعل علاقتهم مباشرة مع المراكب التجارية المارة عبر الساحل.

       أما فيما يخص علاقاتهم بالقضايا الفرنسية فإن عائلة ريدمان عبرت عن ولائها لفرنسا مما أهل أفرادها لتولي منصب ممثلين قنصليين لفرنسا.

       ففي أحد الأيام تعرض مركب فرنسي لحادث عند الساحل وفشل في الإرساء عند مدخل أزمور، لكن عند وصول الخبر لفريدريك ريدمان توجه إلى أزمور وقدم خدماته للناجين من الحادث حيث تم نقل المرضى من الركاب إلى مازاكان وعمل فريدريك باعتباره تلميذ سابق في الطب بإنجلترا، على تقديم الإسعافات الضرورية. فقامت الحكومة الفرنسية بتوشيحه على خدماته بوسام الشرف.

       وبعد ذلك بقليل ، قام الأمير جوانفيل Prince de Joinvilleبالإبحار على ظهر مركب في اتجاه موغادور قصد قنبلتها في 1844، فكان لفريدريك شرف استقباله عند توقفه بمازاغان. وفي نفس الفترة ، عمل الإخوة ريدمان Redman على التدخل لدى المخزن المغربي في لحظات مأساوية تتعلق بأحد خدام فرنسا، وذلك في قضية أثارت ضجة كبرى حيث أن الإسرائيلي الجزائري الأصل المسمى دارمون Darmon (5) الممثل القنصلي لفرنسا وإسبانيا كان في أحد الأيام يريد التوجه إلى الدار البيضاء غير أن الحاكم المغربي لمازاكان عارض ذلك بشدة وذلك لأسباب نجهلها. لكنه عندما غادر مازاغان على بغله مرفوقا بحراسه من المغاربة تعقبه مخازنية القائد وذلك قصد منعه من السفر. فما أن تجاوز أبواب المدينة حتى وقع حدث تافه عند المكان المسمى المصلى على الطريق المتجه للدار البيضاء ، حيث أن أحد حراسه من المغاربة كان يريد تسوية سرج بغل الممثل القنصلي دارمون Darmon(6) فانطلقت رصاصة من بندقيته بشكل غير متوقع أدت إلى إصابة أحد جنود القائد. وكان ذلك فرصة جيدة لقائد المدينة للانتقام من دارمون، حيث اعتقله ثم راسل السلطات بشأن معاقبته باعتباره خائن يجب إعدامه.

       وبما أن الإخوة ريدمان أدركا خطورة الموقف والتهمة وما ينتظر صديقهم دارمون، فإنهما عملا على تكثيف جهودهما للتدخل قصد التهدئة وإلغاء حكم الإعدام في حق دارمون، حيث قاما بإعداد تقرير حول الموضوع إلى السلطان قصد إسقاط التهمة عن دارمون غير أن القائد قام بتنفيذ حكم الإعدام في القرية الصغيرة بسيدي موسى ثم نقلت جثته على الأحصنة لتعلق على أسوار الحي البرتغالي "الملاح" ويذكر أن قرار العفو السلطاني على دارمون وصل متأخرا بعشرين دقيقة بعد تنفيذ حكم الإعدام(7).

       إن تأثير ونفوذ الإخوة ريدمان لدى البلاط الشريفي (أي السلطان) لا يقتصر على الجانب الرسمي وذلك لكونه ممثل قنصلي لقوى أوربية، بل لكونهم عرفوا بالاستقامة والأمانة مما مكنهم من التقرب من السكان الأصليين (المغاربة)...

       إن حدثا هاما وقع ومكن الإخوة ريدمان من نيل ثقة السكان المغاربة بمازاكان ويتمثل ذلك في أن المدينة تعرضت لهجوم قبائل بدوية طامعة في السيطرة على بيت المال مما حدا بالإخوة ريدمان إلى الدفاع عن المدينة رغم قلة المؤن والذخيرة. ولقد نجحا في ذلك فحصلوا على حق تصدي رحوالي 450000 كلغ من الحبوب في السنة.

       إن عائلة Redman نوعت نشاطها فبالإضافة إلى النشاط التجاري اهتمت بالزراعة وتربية الماشية كبقية سكان المنطقة. إذ بادروا في زراعة القطن سنة 1860 في الأراضي المحيطة بمازاغان، أي بالأراضي الزراعية التي أصبح يشغلها حاليا حي القلعة. إن الناعورات المخربة جوار الطريق المؤدية لأزمور تشهد على أن المستوطنين الأوربيين الأوائل كانوا قد جلبوا المياه لسقي أراضيهم الزراعية، بحيث كللت جهودهم بالنجاح وتنوع المنتوج الزراعي بدكالة ووجد له رواجا ناجحا بسوق لندن إسوة بالقطن المصري المرتفع الجودة. لكن هذه الجهود لم تستمر آنذاك وذلك ليس بسبب المنافسة الأمريكية ولكن بسبب موقف الزعماء المغاربة الذين لم يكونوا ينظرون بعين الرضا لتطور هذه الزراعة، إذ كانوا يرون في ذلك رغبة الأوربيين في الاستحواذ على أراضي المغاربة. ويتجلى ذلك في مقاومة ومعارضة القائد أبو مهدي لعملية التنازل عن الأراضي لعائلة ريدمان. فتراجعت بذلك زراعة القطن وتخلى ريدمان عن مبادراتهم لتطوير هذه الزراعة كما أن نفوذهم تراجع كثيرا وذلك عندما أخذت الهجرة الأوربية إلى مازاغان تتسارع وتتزايد فلم يبقيا يحظيان بنفس الموقع الذي كان يحتلانه.

 

2) الدور الرئيسي للمهاجرين :

       المهاجرون من جزر البليار وجبل طارق: المصالح الفرنسية ودار جوزيف برودو.

       شكل المهاجرون من جزر البليار وجبل طارق النواة الأولى للمستوطنين الأوربيين الذين أتوا للاستقرار بمازاغان ابتداء من سنة 1840. إن هذه الهجرة الميوركية ارتبطت بظروف اقتصادية فجزيرة ميوركا كانت تعرف عددا سكانيا مرتفعا وبمعدل 60 نسمة في الكلم2 في أواسط القرن 19م مقابل إنتاجية غير قادرة على الوفاء بحاجيات السكان مما دفع بهم إلى التطلع إلى الخارج (الهجرة الخارجية). إضافة إلى ظروف اجتماعية متمثلة في وجود شويطاس Chuetas وهم اليهود الذين اعتنقوا المسيحية والذين كانوا يشكلون عنصرا مهما من ساكنة بالما Palma وتمكنوا من السيطرة على ميدان المعاملات وذلك على حساب الميوركيين الأصليين Butifarra  البوتيفارا مما دفع بهؤلاء إلى الهجرة.

       إن السيطرة الإسبانية في بداية القرن 19 م على ميوركا وعدم العمل على تنميتها في مجالي المبادلات والصناعة دفع بسكان ميوركا إلى تعاطي نشاط الملاحة على سواحل إفريقيا الشمالية. لكن التساؤل المطروح هو كيف آتى هؤلاء إلى الاستقرار بمازاغان؟ إن المغرب كان معروفا لدى سكان جزر البليار وكانت قد ازدادت شهرته إثر حرب الجدود الجزائرية المغربية، والتي ستؤدي إلى نمو وازدهار مدينة الجديدة بعد قنبلة موغادور (الصويرة) من طرف الأمير دوجوانفيل سنة 1844 م فتوافد التجار الأجانب إليها بكثرة ، وبرهنت مازاغان على قدرتها في تصدير كميات مهمة  من الحبوب وذلك خلال حرب القرم guerre de Crimée  إذ حملت المراكب خلال سنة واحدة ما مقداره 750 ألف هكتلتر من الحبوب والفول والذرة والشعير والجلبان.

       والجدير بالإشارة إلى أن أهمية هذه الحركة التجارية عبر ميناء مازاغان تعود بالأساس إلى غنى منطقة دكالة من الناحية الفلاحية، ولم يغب ذلك عن الميوركيين الذين كانوا يزورون الموانئ المغربية خلال توجههم إلى جزر الكناري الإقليم 49 . وكانت هذه الحركة التجارية جد نشيطة بحيث كان البلياريون يزودون جزر الكناري بالبطاطس لتعود مراكبهم محملة بالبصل لأمريكا و cochenille  حشرة قرمزي إلى أوربا(9) وكانت مراكبهم التجارية تعرج على ميناء مازاغان، آسفي أو موغادور وذلك لشحن الحبوب والفول أو اللوبيا (الفاصوليا) ... فلا غرابة أن يلجأ ربابنة وقبطانات هذه المراكب التجارية الصغيرة إلى الاستقرار بمازاغان حيث الظروف الملائمة لذلك.

       خاصة إمكانية التعايش مع السكان الأصليين. وهذا ما يفسر استقرار عائلات بوراس Borras، سانتس Sintès ، لول Lull، بوجول البلياري  Pujol des Balèares، ألفارا Alfara  من البرتغال. بيانشي Bianchiمن جزيرة ماديرا، في أواسط القرن 19م  بمازاغان في فترة كانت فيه ظاهرة الاستيطان الأوربي أخذت في الاتساع على رأسها نجد عناصر جديدة من الجبرالطيين (من جيل طارق) وبعض الإنجليز.

       إن العلاقات التجارية بين جبل طارق والمغرب قديمة: إذ احتل ميناؤها أهمية على حساب ميناء قادس حيث أصبح مركزا لتكديس البضائع الإنجليزية (الشاي والقطن) الموجهة للمغرب ومركزا لتصير البضائع المغربية إلى انجلترا.

       كان تجار جبل طارق على دراية بالقضايا التجارية في المغرب لذا أدركوا أن عليهم تنمية وتطوير النظام القنصلي الإنجليزي في طنجة، وقد كان طبيعيا أن تجذب مازاغان بعضهم (القناصل) .

       يظهر أن تيار الهجر الأوربية نحو مازاغان بدأ حوالي سنة 1854 م مع دوماريا
M.de Maria
الذي عمل كمحاسب لدى M.de Maria(10) ريدمان و M.Balestrino بالسترينو، وأقام دارا تجارية ومؤسسة شبه بنكية عبر شراء أصل إنجليزي وعلى إثر ذلك تم بناء بعض الفنادق على الطريق المسمى حاليا بطريق مراكش حيث كانت مخازن الإخوة بلسترينو M. Balestrinoوقيسارية ناحون Nahon. وفي 1860 م قدم إلى مازاغان M.Netto  نيطو الذي كان ممثلا لدار جبرالطية (جبل طارق) للحبوب واستقر على طريق مراكش على أرضية مكتراة من المخزن المغربي. وفي نفس الفترة قدم M.Ansado أنصادو إلى مازاغان حيث تخصص في القرض الفلاحي عبر القيام بعمليات لفائدة بنك ناحون Nahon بطنجة.

       وحوالي 1850 قدم من تطوان "حيث كان مقيما بها" الإرلندي جاك بوطلر Jacques Butler  واستقر بمازاغان ثم أسس شركة تجارية مع إخوته الخمسة المقيمين بقادس. إن تصديره للذرة والفول جاءت لتنضاف إلى عمله كنائب للقنصل الإسباني، ولم تشبع تطلعاته وطموحاته، لذا برزت رغبته في تطوير تجارته بجنوب المغرب حيث تبين له أن واد نون يشكل سوقا تجاريا مهما لتجارة القطن. لذا قام جاك بوطلر بزيارة تفقدية في 1857 استقبل على إثرها من طرف خليفة السلطان الذي وعده بدعم شركته. لكن أمله سرعان ما خاب بعد ذلك لما لم يتقبل خليفة السلطان مراكبه المحملة بالقطن واعتقل التاجر غير أن الحكومة الإسبانية عملت على إطلاق سراحه مقابل أدائها فدية بلغت 100 ألف بسيطة سنة 1865 حيث عاد جاك بوطلر إلى مازاكان ، فخلفه ابنه إلياس بوطلر Elias Butler في فترة كان فيه الاستيطان الأوربي في تزايد لتشكل مجموعات أسرية وهي التي عايناها عند قدومنا في 1912 إلى دكالة.

       إننا باختصار الحديث عن الهجرة الأوربية إلى مازاغان نبرز بعض المعطيات المتعلقة بالمصالح الأوربية آنذاك ، بحيث يمكن تلخيص هذه المصالح عبر شركتين هما شركة جوزيف برودو Firme de Joseph Brudo والشركة الملاحية باكي La compagnie de Navigation Paquet  اللذين ساهما في تطور تجارتنا وسط منافسة أوربية نشيطة وقوية وذلك غذاة حرب تطوان التي فرضت بموجبها إسبانيا رقابة على الجمارك المغربية.

       إننا على علم بجميع الخدمات التي قدمتها شركة باكي Campagnie Paquetلفرنسا في الميدان التجاري في أواسط القرن 19 م ، وذلك بإنشاء خط ملاحي بين مرسيليا والمغرب. وقد كان ذلك متبوعا بجهود مجبدة من قبل عائلة إيطالية استقرت بمازاغان منذ 1848 م وهي عائلة Carlo Morteo كارلو مورتيو التي ارتبطت بولائها لفرنسا والتي كان لها نفوذ وتأثير على السكان الأصليين. (السكان المغاربة بمازاغان).

       كانت دور أخرى من مرسيليا مهتمة بالمغرب وخاصة بمازاغان ونذكر من بينها بوميي Baumier وجوزيف كاريل Joseph Carrel وغراويتز Grauitz، التي كانت تبادل السكر مقابل الحبوب والصوف. أما دار ألطراس Altaras فقد أرسلت سنة 1856 جوزيف برودو إلى المغرب من أجل التعويض عن بعض ما لحقه من أضرار بموكادور (الصويرة) .

       وبعد الانتهاء من تنفيذ المهمة التي كلف من أجلها استقر جوزيف برودو بمازاغان وأخذ يشتغل لحسابه الخاص في سنة 1857 واستطاع أن يحتل مكانة هامة بين تجار المدينة ، وقد مكنه ذلك إضافة إلى مؤهلاته من تعيينه سنة 1866 كممثل قنصلي لفرنسا خلفا لدوفيريو de Ferrieu . فأصبح بذلك جوزيف برودو يجمع بين التجارة ومهامه السياسية فكان يقوم بتصريف المنتوجات المغربية باتجاه فرنسا فنشط بذلك تجارة الصوف مع مرسيليا إضافة إلى تجارة الجلود والشمع، أو الحناء التي كان يعاد تصديرها إلى الجزائر.

       أما فيما يتعلق بالاستيراد فإن جوزيف برودو كان يمثل بعض الشركات المرسيلية وكان ممثلا لشركة كلود كليرك Campagnie Caude Clere et léon Gay  وليون غاي المنافسين الأوائل لشركة باكي Compagnie Paquet.

       ومن الناحية السياسية فقد وجد جوزيف برودو نفسه أمام تعقيدات كان عليه حلها خاصة غداة حرب 1870 م، وذلك باعتباره ممثلا لأمة منهزمة(11)، وهذا دفعه إلى الانغلاق والعزلة في بيته. وقد مرت سنوات استطاعت خلالها فرنسا أن تستعيد مكانتها ورونقها وعمل برودو على الاستمرار في الدفاع عن المصالح الفرنسية فقام بإنشاء ما بين 1890 -1891 مركزا بريديا فرنسيا بمازاغان (مركز بريدي فرنسي بالمغرب).

       وكانت دار جوزيف برودو بمثابة دار لفرنسا بمازاغان: فقد استقبلت تيسو، أورديغا اريكمان  Doutté, Schlunberger, Erekmann, Ordega , Tissot  شلونبرغ، دوتي، Burckart بركار، وآخرون... بحفاوة ومشاعر طيبة خدمة للعلم والوطن.

       وبعد قرابة أربعين سنة من خدمة فرنسا توفي جوزيف برودو سنة 1904 تاركا لابنه الذي أصبح عميد الفرنسيين بمازاغان مركز قنصل فرنسا والذي سيتم إلغاؤه سنة 1907، وبهذه المناسبة كتب وزيرنا بطنجة السيد سان روني تيلاندي Mr Saint René Taillandier  لابن برودو رسالة تكريم وتقدير بشأن والده الذي خدم المصالح الخارجية لفرنسا(12).

       " ... رغم كون الفرصة لملاقاته لم تتح لي، ورغم كوني لا أعرفه إلا من خلال ما سمعته عنه من شهادات من أناس عايشوه عن قرب وعبروا عن قدراته ومؤهلاته العالية، فإننا نحب أن نعترف له بالجميل والتقدير له... ويمكننا أن نقول أن وفاة السيد والدكم هي خسارة لكافة المستوطنين  الفرنسيين بالمغرب، حيث كان والدكم عميدهم والمثل والقدوة".

       وبما أن هذه الرسالة لم تكن كافية في حق شخصية جوزيف برودو فإن وزير الشؤون الخارجية MStephen Pichon ستيفان بيشو ذكر السيد إسحاق برودو Isaac Brudo سنة 1907 بإعادة له التمثيلية القنصلية من خلال إحداث مهمة نائب القنصل بمازاغان، وأن الحكومة الفرنسية تثني على الدور الذي قامت به عائلة برودو بالمغرب: "إن وزارة الشؤون الخارجية، لن تنسى مدى وطنية والدكم ما بين 1866-1904 في الدفاع والحفاظ على المصالح الفرنسية بمازاغان، ومدى ذكائه الثاقب في تنظيم مصلحة البريد بين هذه المدينة ومراكش"(13).

       إننا لا يمكن أن نختم هذا التدوين بسرعة دون الإشارة إلى الجهد المبذول من قبل ممثلينا خلال القرن 19م.

 

3- فيزيونومية مدينة مازاغان في بداية القرن 19 م.  سكانها – الحركة التجارية بها.

       لا نتوفر على شهادة موثوقة لكي تنير لنا العديد من الأمور المتعلقة بمازاغان في بداية القرن 19م. فأقدم ما نعرفه يعود إلى منذ 1800م. وترتبط هذه المعرفة بالكولونيل Coello كويلو والتي تعود إلى 1859 حيث تقدم لنا مدينة مازاغان عبارة عن مدينة مخربة لا يتعدى سكانها 200 نسمة، وهو نفس الوصف الذي قدمه روهلفسRohlfs  سنة 1861 لكنه يضيف أن بعض الأوربيين واليهود كانوا يقيمون داخل الأسوار أو الحصن القديم (الحي البرتغالي)(14) بينما يقيم السكان الأصليون (أي المسلمون المغاربة) خارج الأسوار متجمعين في خيام ونوالات . إضافة إلى هذه الببليوغرافيا يمكن إضافة مؤلف لسفيراك الذي يتميز بكونه أكثر تفصيلا وفيما يلي كيف يقدم لنا مدينة مازاغان في 1861م.

       إننا لازلنا نرى قصر العدالة وصومعة المنار(15) والكاتدراتية (التي أصبحت حاليا قنصلية لإنجلترا) وبعض مراكز العبادة وسقاية الحصن وأسوارها القديمة والتي بلغ سمكها ثلاثة أمتار والتي تحيط بالمدينة، فالدفاع عن المدينة يتجلى في أربعة أحصنة وحوالي عشرين مدفعا في حالة يرثى لها....

       كان عدد السكان الأصليين (أي المغاربة) هو 1500 نسمة نصفهم من المور (أي المغاربة المسلمون) والنصف الآخر من اليهود. وتتوفر المدينة على مسجد واحد بنيت صومعته منذ أربع سنوات.

       لقد مرت عشرون سنة على إقامة بعض المحلات التجارية للمواد الغذائية والقطن والعقاقير... وكان هناك بزار متخصص في القطن أنشئ في سنة 1860م. وقد أخذت منذ بضع سنوات تظهر بعض المحلات خارج أسوار المدينة القديمة (الحصن البرتغالي) لبيع النباتات والزبدة والزيت .. إلخ...

       وخلال هذه الفترة أي حوالي 1861 تم إنشاء أول دار أوربية extra muros استغلت كسكن لأول منذوب مراقبة الجمارك الإسبانية دون جوفيتاروماي إيكاسترو Don Jovita y castro  فشكل ذلك ولادة لحي أوربي بمدينة مازاغان(16).

       إنه لمن الصعب الجزم فيما يتعلق بمسلسل تطور مدينة مازاغان منذ منتصف القرن 19 م. وذلك لقلة الوثائق المكتوبة لكننا يمكن الخروج بتصور انطلاقا من دراسة لسكانها وأسلوب عيشها والتجارة بهذه المدينة الصغيرة التي لعبت دورا رياديا في تاريخ المغرب خلال القرون الماضية.

       إننا نعلم أن المدينة القديمة كان يسكنها الأوربيون واليهود، إذ كانوا يقيمون في دور قديمة ومخربة حيث تسكن الصقور والبوم والغربان والحمام واللقالق، بينما كانت الساكنة المسلمة الغير الراغبة في الاختلاط بالكفار(17) أقامت  داخل سكن في شكل نوالا(18) في الجهة الشمالية الغربية خارج الحصن البرتغالي، قرب ضريح سيدي الضاوي وذلك حسب ما ذكر آرتر ليارد Arthur Leared  في كتابه Morocco and the Mor.(19) كما أن سفيراك Severac  يزودنا ببعض المعطيات حول هؤلاء السكان، إن السكان المغاربة هم المسلمون واليهود وهم خليط من مختلف القبائل المغربية ويتميزون بالطيبوبة ، فالمور أو المغاربة كملاحين اهتموا بعملية شحن البضائع وكمالكين لمحلات تجارية، بينما اشتغل الإسرائيليون ( اليهود المغاربة) كحمالين وسماسرة ... ولهم فترة خاصة بممارسة شعائرهم الدينية... أما الساكنة الأوربية فكانت تتشكل آنذاك من سبعين إنجليزيا وستة فرنسيين وإيطاليين وسبعة وعشرون إسبانيا وإحدى عشرة برتغالي وحتى الآن لم ينجحوا في إقامة كنيسة خاصة بهم وفي التوفر على قساوسة.

       كانت مدينة مازاغان تنمو بفعل الهجرة الداخلية ومن الخارج إليها بدون أن يتحكم  أي أحد في هذه العملية إذ كانت تنمو بتلقائية أو بعفوية وفي غياب لأي جمالية. مما جعل أحد المسافرين إليها أمثال أرثر ليرد Arthur Leard  يصفها أثناء زيارته لها سنة 1872 م بأنها لم تكن تتوفر على مجاري حارة، وأن الطرق غير معبدة، مع وجود الضايات ... إن ساكنة مازاغان قد أدت ثمن عدم وجود النظافة حيث سجلت حالات لارتفاع الحرارة والتيفويد كأمراض رئيسية بالمدينة، مع أمراض أخرى كأمراض العيون المعدية التي تتناقل عن طريق الذباب وكذا أمراض خطيرة كوباء الكوليرا الذي تعاقب ما بين فترات قصيرة فوباء 1855 أعقبه وباء 1868م... ، وقد أدى وباء 1878م إلى سقوط 25 خمسة وعشرون ضحية في يوم واحد، ولازال شيوخ اليوم يحتفظون بذكريات عن ذلك ويعتقد بأنه كان نتيجة حتمية للمجاعة التي اجتاحت دكالة، كما أن التساقطات المطرية الغزيرة تسببت في تحويل أراضي زراعية إلى برك وضايات، بل إن المياه غطت الأراضي الواقعة ما بين مكتب البريد الحالي وسيدي موسى أي على مسافة ثلاثة كلمترات. وكان طبيعيا أن تفسد المحاصيل، وتعم المجاعة التي دفعت بسكان البوادي المجاورة نحو مازاغان حيث كان الموت يحصدهم عند أبواب المدينة. إذ كان السوق الكبير مملوء يوميا بجثث الموتى، وقد أدى ذلك إلى انتشار الكوليرا. بينما كانت العناصر الأوربية تتلقى العلاجات من الأطباء ألار دوسانت تروبز Allard de Saint Tropez  وراينا دي إسبانيا Rayna d’Espagne . إضافة إلى الأوبئة والمجاعة وظهر خطر الجرذان والجراد. فالجرذان اجتاحت الحقول بسبب المجاعة فأحدثت أضرارا بها .. وحاصرت المحلات التجارية حيث كانت بها المؤن. بينما نعلم الأضرار التي يمكن للجراد أن يخلفها.. وقد خلق ذلك اليأس لدى المستوطنين الأوربيين والذين وجدوا أنفسهم إلى سلوك نوع من الكرم اتجاه السكان والمغاربة عبر تقديم الحساء والخبز. أما عائلة مايمران الإسرائيلية فقد تميزت في ظل هذا الوضع اتجاه اليهود المغاربة.(20)

       ظهر من جديد وباء الكوليرا في 1881 و في 1895 بعد عودة الحجاج من مكة.

       وبعيدا عن هذه الأوضاع الاستثنائية، فإن مازاغان كانت تقدم ظروف عيش أحسن، فدار المخزن كانت تكترى ما بين 4 و 5 دورو (Douros) حسني في الشهر. والمؤونة نفس الشيء :

       فالثور يشترى ما بين 20 و 25 بسيطة والخروف بين 2 و 3 بسيطة، والدجاجة بواحد بسيطة، والبط الذي تتم تربيته في الضايات يبلغ ثلاثة سو Sous ... بينما كانت الذرة توجه نحو إنجلترا وتباع ( في مارس 1855) ب 15 وانس Onces للصاع. وتحسب العملة كما يلي :

                   1 درهم = 3 وانص (0,25)

             1 درهم كبير = 6 وانص (0,50).

             1 نابليون ذهبي= 19 وانص

       فمصطلح القرش الذي يطابق0,25 لم يكن معروفا إلا في 1872 م، في الفترة التي تم فيها استيراد تحت هذا الإسم قطع من فئة 0,20 من مرسيليا. أما في الأداءات فكان يتم الاعتماد على النقود الفرنسية (نابليون) أو الإسبانية، فالبسيطة ألفونسو تزيد ب 5% عن الفرنك، كما كان يتم تداول الليرة الإيطالية، وبشكل أقل للنقود الإنجليزية.

       أما على مستوى الأداءات بالداخل فإنه يتم نقل الأموال على ظهر الإبل، وكان القاضي يعرف منذ البداية قيمة الأموال المسلمة لصاحب الجمل إذ يتسلم هذا الأخير ¼ من القيمة الإجمالية كتعويض عن خدمته.

       أما عند ما ترتفع قيمة المبادلات بين الأوربيين والمغاربة فإن التسوية تتم عبر وسيط ويتمثل في القناصل أو القائد أو خليفته الذي يستخلص 5% من القيمة الإجمالية.

       إن التفكير في هذه الفترة يحيلنا بالأساس إلى ندرة أدوات ووسائل الترفيه بمازاغان بالنسبة للمستوطنين، وللتذكير فإن من بين الذكريات الجميلة التي يحتفظ بها في هذا المجال زيارة السلطان مولاي الحسن حوالي 1875 م وهي أول زيارة لسلطان مغربي لمازاغان بعد استرجاعها من البرتغال. ففي هذه المدينة الصغيرة التي كان عدد سكانها 2500 نسمة تم استقباله بحفاوة إذ تجول بالمدينة القديمة وقام بعملية الرماية، وزار السقاية البرتغالية. وإدراكا منه بأن المدينة القديمة أصبحت ضيقة وغير قادرة على استيعاب سكانها، أمر السلطان ببناء سور على طول البحر ممتدا من الجمارك حتى طريق البيضاء ومراكش. ومباشرة شرع في الأشغال وبعد بضعة شهور تم بناء حائط (سور) يمتد لمائة متر وعلو مترين تقريبا.

       وكان الأمناء (الإداريون) بمازاغان يرسلون للسلطان بيانا عن قيمة المصاريف قبل الاستمرار في الأشغال: فقد ارتفعت القيمة إلى 100.000 بسيطة حسنية. وبفعل اندهاشه من التكاليف المرتفعة أمر السلطان بتوقيف الأشغال...

       وأثناء زيارته لمازاغان قام السلطان بتعيين الحاج محمد زراري الملقب بالوديي (لكونه قادم من الاوداية بالرباط) عاملا على المدينة مكان اثني من الأمناء أحدهما كان يقيم بأزمور. وهما اللذان كان يسيران شؤون المدينة بطريقة تخدم مصالحهما. وقد كان الوديي أول باشا للمدينة: كان ذلك تعيينا مميزا بالنسبة له لأنه أثناء ذلك كان معتقلا بسجن المدينة القديمة (الحي البرتغالي) من أجل دين بلغ 4000 دورو اتجاه شخصية نافذة.

بعيدا عن الزيارة السلطانية والتي تميزت بإقامة المولى الحسن خارج المدينة لبضعة أيام، والتي أثارت اهتمام السكان فإن سكان مازاغان كانوا أكثر ميلا إلى الترقية في إطار أسروي وعائلي. وفي المناسبات القليلة كان الأوربيون ينظمون فيما بينهم أمسيات للرقص وخرجات للنزهة. وكان هناك من يستغل يوم عطلة السبت بالنسبة للإسرائيليين للقنص حيث يتم صيد الخنزير البري، وابن آوى، والذئاب والثعلب ، وفي يوم الأحد تتجمع الأسر للنزهة على بعد ثلاثة كلمتر عن مازاغان على طريق مراكش (قصد التجوال) . أما في فصل الصيف فإن السكان يتوجهون إلى شاطئ البحر حيث الهواء الرطب والرمال الناعمة الممتدة حتى نهر أم الربيع، وذلك عندما لا تسمح الظروف للمازاغانيين بالعودة إلى موطنهم الأًصلي.

       كانت الأيام المنتظرة هي تلك التي تشاهد فيها المراسلات الآتية من أوربا حيث ينتاب الأوربي المنفي خارج وطنه في هذا البلد الإفريقي نشوة الفرحة عندما ترفع الأعلام (الرايات) على أسطح قنصليات إسبانيا وإنجلترا وإيذانا بوصول البريد من الشمال والجنوب(21).

       إن اللجوء إلى إطلاق اللهب هو إيذان بوصول الجديد من مراسلات من البيضاء وجبل طارق. وما إن يظهر ذلك اللهب حتى يتهافت الجميع إلى الجمارك حيث يتم الإعلان عن الأسماء الواردة في الأظرفة (المختومة. وبعد ذلك تأخذ المستجدات والأخبار في التداول سواء كانت أخبارا جيدة أو سيئة وتكون مرفوقة بتشكل تجمعات صغرى من المستوطنين الأوربيين بمازاغان.

       إن أكبر مفاجئة التي تحتفظ بها مازاغان هو وصول أول سفينة تجارية. وكان ذلك الحدث في سنة 1855 ، إذ ما أن ظهر دخان السفينة البخارية Steamer  في الأفق حتى هبت كافة ساكنة المدينة إلى أبراج الحي البرتغالي حتى لا تفوتهم فرصة مشاهدة ذلك.

       وقد كان المركب في ملكية شركة بلوندلاين Campagnie Bland Line، والتي إلى جانب Léon Belge وهرقل Hercule تركزت خدماتها ما بين جبل طارق وموانئ الساحل الغربي للمغرب.

       وفي نفس الفترة تمكنت شركة Campagnie Paquet   باكيت من مرسيليا من إقامة علاقات مع المغرب فإذا كان أول مركب بخاري لها قد فشل في مازاغان فقد تم تعويضه بوحدتين بخاريتين هما : لانكدوك Languedocثم قادس Cadix وفي 1860 أخذت دار ألطراس Maison Altaras في نقل بضائعها عبر مراكبها الخاصة: أسيريان Assyrien إذ حولت خدماتها نحو مرسيليا – مازاغان وشكل هذا النموذج قدوة لباقي الدور التجارية والتي كانت لها مصالح على السواحل المغربية. غير أن ذلك لم يوقف وصول المراكب الشراعية إلى مازاغان.

       ففي 1860 أتت 300 وبضع مراكب من مختلف الجنسيات إلى الميناء قصد الشحن، وقد شكلت هذه الأرقام والإحصائيات مدخلا لمعرفة حجم الحركة التجارية لمازاغان في القرن 19م. إذ كانت بضائعها ومنتجاتها تنقل إلى كافة أقاليم الإمبراطورية المغربية.

       وذلك بناء على ما أورده مؤلفون قدامى بأن دكالة هي من أهم المناطق إنتاجية ومن بين منتجاتها نذكر القمح، والشعير ، والذرة البيضاء، والفول ، والجلبان إضافة إلى الصوف.

       وقد كان القمح والشعير يستهلكان محليا باستثناء جزء من الإنتاجية كان يرخص السلطان أحيانا وبشكل ظرفي لتصديره، وذلك لكون قوانين البلاد كانت تمنع تصدير الحبوب إلى الخارج، بل أنه في بعض الأحيان ورغم الترخيص بالتصدير كانت الجمارك توقف أو تعرقل تصديره وهذا ما حصل مع الإخوة ريدمان Frères Redmanالذين حصلوا على رخصة من الحكومة الشريفة لتصدير 5000 فينق Fanèguesمن الحبوب لإنجلترا ، وعندما حاولا شحن البضاعة على ظهر السفن اعترض أمناء الجمارك بدعوى أن هناك شخصا آخر يدعي حصوله على نفس رخصة التصدير. غير أن المسألة طرحت على القنصل الإنجليزي فأخذت بذلك منحى دبلوماسي: أما الحكومة الشريفة فقد ساندت موقف الأمناء، فتلقى الأسطول الحربي الذي كان راسيا بمياه جبل طارق الأمر بالتوجه نحو المغرب لدعم موقف عائلة ريدمان، لكن قيام حرب القرم Guerre de Crimée جعل هذا الأسطول يتوجه على البحر الأسود. وقد تم تسوية القضية بتدخل دور تجارية من جبل طارق والتي حصلت على 25.000 دورو كتعويض لفائدة عائلة ريدمان. أما بقية المنتجات (حسب Severacسيفيراك) فإنه كان مسموحا بتصديرها بدون عراقيل وذلك قبل 1860: "فالمنتجات الأساسية الموجهة للتصدير هي بالأساس حبوبية: الفول، الذرة ، الجلبان، (القمح والشعير لا يشحنان) والكميات المصدرة في المتوسط ترتفع إلى 200 ألف هكتلتر في السنة. فالصوف كان في مجمله يوجه نحو فرنسا وهو من النوع الجيد ويمكن حساب الكمية المشحونة في كل السنوات من 18 ألف إلى 20 ألف قنطار. وكان يتم تصدير بعض الجلود والأبقار والشمع والحناء، واللوز والزيت، ومنذ سنتين يشحن 300 قنطار من القطن. وكانت الدول المستوردة : هي إنجلترا التي تستورد الفول، وإسبانيا تستورد الجلبان، بينما كانت انجلترا وإسبانيا والبرتغال وأحيانا جزر الكناري وماديرا تستورد الذرة، ونادرا ما تستورد فرنسا المواد الحبوبية إلا في ظروف خاصة، أما الصوف والجلود والشمع والحناء فكانت تصدر إلى مريسليا(22) وحسب بوميي Baumier  فإن عملية التصدير هاته تعود إلى 1861 م وتحتل الصف الثامن للصادرات الإجمالية للمغرب. وكانت هذه العملية التجارية (التصديرية) مركزة في يد حوالي أزيد من عشرين تاجرا أوربيا من ضمنهم بعض القناصل مما شكل إشارة لانتعاش هذه المبادلات وأن قيمة هذه التجارة الخارجية لمازاغان بلغت في مجملها أربعون مليون فرنك.

       كانت قيمة البضائع المستوردة من الناحية المالية ذات أهمية ضعيفة وذلك لكون السكان الأصليين (المغاربة) قد اعتادوا في عيشهم بالخصوص على ما تنتجه أراضيهم مقتنعين بأقل ما يمكن الحصول عليه، وكانوا في حاجة إلى بعض القطن الإنجليزي المستورد من أوربا من قبل دار كارفر بروت Maison Carver Broth إلى مازاغان.

       أما عبر جبل طارق فكان يتم استيراد كمية قليلة من السكر والقهوة ذلك عبر شركة باكي Campagnie Paquet ، وبعض المواد الغذائية. وكان حجم ذلك سنويا ما بين 600 و 700 ألف فرنك فرنسي ، وقد شهدت هذه الحركة التجارية اتساعا: فقيمة الصادرات بلغت 3.951.300 فرنك في 1871 م و 8.829.495  فرنك في 1876 م. وقد أشار فيفيان دوسانت مارتان Vivien de Saint – Martin إلى أن الواردات ارتفعت بشكل متواثر. إن هذا التطور لم يدم طويلا، فحسب Washington Serrysأن 116 مركبا بحريا بحمولة 56.236 طن هي التي زارت ميناء مازاغان سنة 1883م. وقيمة المبادلات كانت في حدود 4.557.200 فرنك. مع العلم أن ساكنة المدينة تضاعفت في عشر سنوات ونجد لهذا التوقف في النمو تفسيرا في منافسة الميناء الناشئ بالدار البيضاء والذي كان في تطور خلال هذه الفترة وعلى حساب موانئ الجنوب(23) يوجد شرق مدينة مازاغان حزام صخري يسهل العمليات الملاحية ويحمي السفن من حركة المياه والأمواج العالية مقارنة بشاطئ الدار البيضاء. ورغم كون البحر كان يتسم بهدوئه فإن المراكب الشراعية كانت ترسو بعيدا تجنبا للضباب المنتشر على الساحل. أما عمليات الشحن والإفراغ للسفن فكانت تتم حسب ليارد Leard في الميناء الأصغر للحصن البرتغالي بالشمال وهذا ليس ذا أهمية وذلك لكون مازاغان ليس لها إلا مجالين إذ أن هناك ميناء بالجنوب حيث المرسى البرتغالي القديم بالقرب من الجمارك، وهناك في الشرق ما بين سور الحصن البرتغالي وقرب باب البحر القديم مرسى آمن للسفن. وبهذا تعطي مازاغان أحسن ظروف للملاحة على الساحل الإفريقي.

       إن بعض الإصلاحات كفيلة بجعل مازاغان تضم أحسن ميناء.

       إن الحوض الساحلي لمازاغان (حسب سيفيراك) هو أكثر أمانا بالنسبة للسفن ويكفي بعض الجهود والتضحيات لكي تقيم الحكومة المغربية ميناء مميزا قادرا على استقبال ثلاثمائة وبضع سفن من مختلف الجنسيات ويوسع النشاط التجاري ويرفع المداخيل الجمركية للمدينة. لكن هذا المشروع لم ينجز وذلك للظروف الخاصة التي يعيشها المغرب. ولكن هذه الأمنية لسيفيراك في 1860 م بشأن بناء ميناء على الساحل لمازاغان لم تتحقق إلا في عهد الاحتلال الفرنسي سنة 1915 وذلك ببناء ميناء صغير على ساحل المدينة.

       وفي الأخير يجب الإشارة إلى شيئين وهما الأمل في بناء ميناء كبير مستقبلا بمازاغان والمسألة الثانية هي أن يتم تدريس تاريخ مازاغان في القرن 20 م لأطفالنا.

 

 



(1) عن استرجاع مازاغان من البرتغال انظر الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى الجزء 8 – الدولة العلوية – دار الكتاب الدار البيضاء 1956 صفحة 35.

(2)  عن ولاية الشريف سيدي محمد بن الطيب على تامسنا ودكالة وأعمالها انظر الاستقصا بأخبار المغرب الأقصى ص 13 الجزء 9.

(3)  مؤلف سيفيراك Severac  الذي كان بمازاغان سنة 1861، وكانت نسخة من المؤلف بيد أبناء برودو، والذين مكنوا مؤلف هذا الكتاب  من  J.        Goulien  الاطلاع عليه.

(4)  المرجع : تاريخ الإسرائيليين بالمغرب Histoire des Israélites du Marocمترجم من العبرية من طرف موسى طوليانو Mose

In the Jeursh Publication of America in philadephia p 74 .      Toledano

(5)  يمكن الرجوع في هذا المجال إلى تاريخ العلاقات الإنجليزية حتى عام 1900. الوساطة بين المغرب وإسبانيا ص 199 تأليف : ب ج . روجز ترجمة دكتور يونان لبيب رزق دار الثقافة البيضاء الطبعة الأولى 1981.

                - حاييم فيكتور درامون (اعتقل سنة 1843 بدعوى إقامة علاقة جنسية مع مسلمة ثم أعدم مما أدى إلى تأزم العلاقة مع إسبانيا وقيام حرب في 1859).

                انظرhittp : darmon.ifrance.com/celebre.htm  

                Hittp//eljadida.oer-blog.com/article-26428038 html.

(6)  كان هناك قرار صادر في 1252 هـ موافق 1843 يمنع على الإسرائيليين ممارسة مهمة ممثل قنصلي للقوى المسيحية.

(7)  المرجع J.Becker Gonzales : Tratados, convenios y Acuerdos referentes à Marruecos y la guinea espanôla  من الناحية الدبلوماسية فقد تم حل المشكلة في اتفاقية طنجة في 25 غشت 1855 على أساس أن لا يتكرر مثل ما حدث اتجاه ممثلي القناصل الفينق من الحبوب يساوي 45 كيلوغرام.

(9)  Cochinelle  حشرة قرمزي كانت تستخرج منها صباغة حمراء تدخل في الصباغة النسيجية والغذائية.

(10)  إن المستوطنين من جبل طارق بمازان تأثروا بوفاة جوزيف دوماريا Joseph de Maria  في مارس 1918 عن عمر 85 سنة وكان يشغل منصب نائب قنصل بلجيكا بمازاغان.

(11)  انهزام فرنسا في حربها ضد ألمانيا.

(12)  رسالة في 12 مارس 1904.

(13)  تزايد النفوذ التجاري للدول الأوربية بالمغرب مما سيكون له أثر على استقلاله ووحدة ترابه الوطني: انظر إبراهيم حركات المغرب عبر التاريخ الجزء الثالث صفحة 564. دار الرشاد الحديثة 1985،  وانظر كذلك كتاب تاريخ العلاقات الإنجليزية المغربية حتى عام 1900 تأليف ب.ج. روجز ترجمة يونان لبيب رزق ص 189 و 284.

(14)  المرجع Adventures in Morocco.

(15)  لم يكن هناك منار بمازاغان فالحصن الذي كان يستعمله البرتغال في السابق استغله المسلمون كمنار.

(16)  هدمت هذه الدار سنة 1917 وكانت تتموقع في المكان حيث حديقة المدرسة المغربية الفرنسية.

(17)  يقصد بهم اليهود والنصارى (المسيحيون).

(18)  المقصود به بناء شبه دائري يستعمل (القش أو القصب أو التبن في بناءه ) وقد ظل هذا النوع من السكن موجودا ببعض المناطق الهامشية للجديدة إلى غاية السبعينيات من القرن 20م.

(19)  لقد وجدت في مراسلات لعائلة بوطلر  Butler حوالي 1853م أن الأوربيين أخذوا في مغادرة الحي البرتغالي القديم للسكن خارج السور في نوالات وبيوت مبنية بالحجارة والجير بحسب ثروتهم وذلك رغبة في عدم العيش إلى جانب اليهود "حيث الأوساخ".

(20)  تولى العديد من أفراج عائلة ميمران مناصب سياسية في عهد العلويين منذ المولى اسماعيل. انظر كتاب المغرب عبر التاريخ الجزء الثالث صفحة 482 (اليهود والأوربيون) دار الرشاد الحديثة 1985.

(21)  كان يستلزم التوصل برسالة مكتوبة من أوربا مدة شهرين.

(22)  تحتل تجارة البيض اليوم (حوالي  1918) مكانة هامة فالمحاولات الأولى لتصديره ...

(23)  الإجراءات الجمركية كانت مختصرة ففيما يتعلق بالاستيراد كان ممثلوا الشركات يقومون بتعبئة مطبوع ليراقب من قبل الأمناء والإداريين الجمركيين...

                انظر كتاب المغرب عبر التاريخ لإبراهيم حركات الجزء الثالث ص : 451.

Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article